تفكيك خلية إرهابية بالمغرب يعيد فتح ملف الجزائر وعلاقتها بأزمات الساحل

أعاد تفكيك الأجهزة الأمنية المغربية، مطلع الأسبوع الجاري، خلية إرهابية مرتبطة بتنظيم “داعش” بمنطقة الساحل، تسليط الضوء على حجم التهديدات الأمنية المتنامية التي تواجهها المملكة، لكنه في الوقت نفسه أعاد فتح النقاش حول دور الجزائر في المشهد الأمني المضطرب بمنطقة الساحل والصحراء، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وتشابك ملفاتها الحدودية والسياسية مع عدد من دول المنطقة.
وكشفت المعطيات الأولية للتحقيقات أن أفراد الخلية كانوا على تواصل مباشر مع قيادات تابعة لتنظيم “داعش” في الساحل، وأنهم تلقوا تعليمات لتنفيذ عمليات إرهابية داخل المغرب، بعدما بلغ التخطيط مراحل متقدمة شملت اختيار الأهداف ومراقبتها وتجميع المعدات اللازمة للهجمات.
وأسفرت العمليات الأمنية التي نُفذت بشكل متزامن في عدد من المدن المغربية عن توقيف عشرة مشتبه فيهم، بينهم قاصر وشخص سبق أن أدين في قضايا إرهابية، فيما بينت الأبحاث أنهم بايعوا التنظيم الإرهابي وتلقوا أوامر بعدم التوجه إلى بؤر التوتر، بل البقاء داخل المغرب لتنفيذ مخططات تخريبية.
كما أظهرت المحجوزات أن الخلية تجاوزت مرحلة الدعاية والتطرف الفكري، بعدما ضُبطت بحوزتها أسلحة بيضاء وملابس عسكرية ووثائق لتصنيع المتفجرات، فضلاً عن تسجيلات للبيعة ومواد رقمية تتضمن تهديدات بتنفيذ هجمات. وعثرت السلطات أيضاً داخل مستودع بمدينة إنزكان على سيارة رباعية الدفع جرى تعديلها، إلى جانب قنينات غاز وطناجر ضغط ومواد كيميائية ومعدات لحام وتقطيع، في مؤشرات تعزز فرضية الإعداد لعملية إرهابية كبيرة.
وتعكس هذه المعطيات تحول تنظيم “داعش” في الساحل من الاكتفاء بالتحريض والدعاية إلى محاولة إدارة عمليات إرهابية عن بعد، عبر خلايا محلية تتلقى التعليمات والتمويل والتوجيه من خارج الحدود، مستفيدة من الوضع الأمني الهش الذي تعيشه منطقة الساحل.
وتحولت هذه المنطقة خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أخطر بؤر الإرهاب في العالم، حيث تنشط جماعات مرتبطة بتنظيمي “داعش” و”القاعدة” في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، مستفيدة من هشاشة مؤسسات الدولة واتساع الحدود وانتشار الفقر والبطالة والصراعات المسلحة، وهي عوامل وفرت بيئة خصبة لتوسع التنظيمات المتطرفة وشبكات تهريب الأسلحة والبشر والمخدرات.
وفي خضم هذا المشهد، تتزايد الأنظار نحو الجزائر التي أصبحت حاضرة في معظم الملفات الأمنية المرتبطة بالساحل. فإلى جانب حدودها الطويلة مع مالي والنيجر وليبيا، تواجه الجزائر اتهامات متكررة من السلطات المالية بشأن علاقتها ببعض الجماعات المسلحة الناشطة في المنطقة، وهي اتهامات بلغت أروقة الأمم المتحدة عندما اتهمت باماكو الجزائر بدعم الإرهاب الدولي، قبل أن تتطور الأزمة إلى نزاع دبلوماسي وقضائي على خلفية إسقاط طائرة استطلاع مالية قرب الحدود، في قضية عكست حجم التوتر بين البلدين رغم نفي الجزائر لهذه الاتهامات.
ويزداد هذا الملف حساسية بسبب وجود مخيمات تندوف فوق التراب الجزائري، حيث تتمركز جبهة البوليساريو داخل فضاء صحراوي مفتوح تتقاطع فيه مسارات التهريب والجريمة المنظمة والجماعات المتشددة. ويرى متابعون أن استمرار هذا الوضع يخلق بيئة معقدة يصعب فصلها عن التحديات الأمنية التي تعرفها المنطقة، خصوصاً أن عدداً من التقارير الدولية وثقت انتقال عناصر من بيئات انفصالية إلى التنظيمات الإرهابية، ويعد عدنان أبو وليد الصحراوي أبرز مثال على ذلك، بعدما انتقل من صفوف البوليساريو إلى قيادة أحد أخطر فروع تنظيم “داعش” في الصحراء الكبرى.
وتنعكس حالة عدم الاستقرار في الجزائر وجوارها بشكل مباشر على أمن المغرب، بحكم الامتداد الجغرافي والقرب من بؤر التوتر، كما تؤثر على الأمن الإقليمي والأوروبي، إذ أصبحت شبكات الإرهاب تعتمد على فضاءات الساحل والصحراء لتأمين التنقل والتمويل والتدريب، مستفيدة من المساحات الشاسعة وصعوبة مراقبة الحدود.
وفي المقابل، عزز المغرب خلال السنوات الأخيرة مكانته كشريك رئيسي في مكافحة الإرهاب، من خلال اعتماد مقاربة استباقية مكنت من تفكيك عشرات الخلايا وإحباط مخططات داخلية وخارجية، فضلاً عن تعاونه الاستخباراتي مع عدد من الدول الأوروبية، وهو ما أسهم في إحباط هجمات واعتقال عناصر متطرفة داخل أوروبا.
ويؤكد خبراء في الأمن أن استمرار الاضطرابات في الساحل، وتفاقم الخلافات بين الجزائر وبعض جيرانها، واستمرار بؤر التوتر في المنطقة، كلها عوامل تمنح التنظيمات الإرهابية هامشاً أوسع لإعادة تنظيم صفوفها، وهو ما يجعل مواجهة هذا الخطر تتجاوز الحلول الأمنية التقليدية، لتشمل معالجة أسباب عدم الاستقرار، وتجفيف منابع التمويل والتهريب، وإنهاء النزاعات التي تستغلها الجماعات المتشددة لتوسيع نفوذها.

تعليقات