آخر الأخبار

«تعيين ملكي» و40 عضواً.. «مغرب تايمز» يكشف آخر محطات مشروع هيئة الأطباء بمجلس النواب

تعيش أروقة البرلمان، خلال هذه الأيام، على إيقاع حركية تشريعية متسارعة، في ظل مساعٍ حثيثة لإخراج مشروع قانون «هيئة الأطباء» إلى حيز التنفيذ. ولا يتعلق الأمر بمجرد نص قانوني يُضاف إلى الترسانة التشريعية الوطنية، بل بميلاد مؤسسة مهنية يُعوَّل عليها لإعادة الاعتبار لممارسة مهنة الطب، وتعزيزها بضوابط تنظيمية وأخلاقية تواكب التحولات التي يعرفها القطاع الصحي. وبعد سنوات من الانتظار، وجد الفرقاء البرلمانيون أنفسهم أمام مسؤولية تشريعية تستوجب تجويد مقتضيات المشروع وترتيب أولوياته، بما يساهم في تجاوز حالة الترقب التي طبعت مسار هذا الورش، ويعزز الثقة بين المواطن والطبيب.

وقد تحولت أشغال مجلس النواب إلى ورشة تشريعية مفتوحة، انصبت على مناقشة مختلف تفاصيل المشروع، سعياً إلى بلورة صيغة تراعي في الوقت ذاته الأبعاد المهنية والحقوقية. وأفادت مصادر مطلعة بأن النقاش بلغ مراحله الأخيرة، بعدما فرغت اللجان المختصة من دراسة أبرز التعديلات، تمهيداً لعرض المشروع على الجلسة العامة، حيث يُنتظر أن يُطرح للتصويت النهائي يوم الثلاثاء، قبل إحالته على مجلس المستشارين، في خطوة من شأنها إنهاء سنوات من تشتت التمثيلية المهنية، وجمع الأطباء ضمن إطار مؤسساتي موحد.

ومن أبرز المستجدات التي جاء بها المشروع توسيع تركيبة المجلس الوطني للهيئة، بعدما تقرر رفع عدد أعضائه إلى 40 عضواً، وهو مطلب ظل يحظى بدعم عدد من الفاعلين في القطاع الصحي. ولا يقتصر هذا التعديل على الجانب العددي، بل يعكس توجهاً يروم توسيع قاعدة التمثيلية، بما يضمن حضوراً أكثر توازناً لمختلف الجهات والتخصصات، ويحد من احتمالات احتكار التمثيل أو هيمنة توجه واحد على باقي مكونات الجسم الطبي.

وفي المقابل، حافظ المشروع على مبدأ الانتخاب باعتباره الآلية الأساسية لاختيار ممثلي الأطباء، مع تكريس آلية «التعيين الملكي» داخل المجلس الوطني. وبموجب الصيغة المقترحة، سيضم المجلس، إلى جانب الأعضاء المنتخبين، أعضاء يُعيَّنون بظهير شريف من بين كفاءات طبية راكمت خبرة مهنية وازنة وأسهمت في خدمة المهنة. ويأتي هذا المقتضى في إطار تعزيز التوازن المؤسساتي داخل الهيئة، من خلال الجمع بين المشروعية الانتخابية وآلية التعيين المنصوص عليها قانوناً.

وعلى مستوى تنظيم ممارسة المهنة، ينص المشروع على إلزامية الانخراط في الهيئة بالنسبة إلى جميع الأطباء الراغبين في مزاولة المهنة، سواء في القطاع العام أو الخاص، بما يجعل الهيئة الإطار القانوني المنظم لممارسة الطب. كما يمنحها صلاحيات تأديبية تشمل مراقبة احترام قواعد المهنة، واتخاذ عقوبات متدرجة تبدأ بالإنذار، وقد تصل، عند الاقتضاء، إلى الشطب من سجل الهيئة، مع إلزام الأطباء بالتكوين المستمر وتحيين معارفهم باعتباره شرطاً أساسياً للاستمرار في مزاولة المهنة.

ولم يغفل المشروع إحداث لجان متخصصة في الأخلاقيات والمراقبة على المستويين الجهوي والوطني، تتولى استقبال شكاوى المرتفقين والبت فيها وفق مساطر قانونية محددة، بما يعزز حماية حقوق المرضى ويكرس مبادئ الحكامة داخل القطاع الصحي. وفي الوقت نفسه، يحيط المشروع هذه الإجراءات بضمانات قانونية تكفل حقوق الأطباء، من خلال ضمان حق الدفاع وإتاحة إمكانية الطعن في القرارات أمام القضاء الإداري.

وعلى الصعيد المالي، أقر المشروع مبدأ الاستقلالية المالية للهيئة، عبر اعتماد نظام تمويل ذاتي يقوم على رسوم التسجيل والاشتراكات السنوية الإلزامية، إلى جانب الموارد المتأتية من الخدمات التي تقدمها الهيئة لمنخرطيها. ويهدف هذا التوجه إلى تمكين الهيئة من أداء مهامها باستقلالية، بعيداً عن أي تبعية مالية، بما يعزز قدرتها على الاضطلاع بأدوارها التنظيمية والتأديبية والدفاع عن أخلاقيات المهنة.

ويُنظر إلى مشروع قانون «هيئة الأطباء» باعتباره أحد الأوراش التنظيمية المرتبطة بإصلاح المنظومة الصحية، في ظل ورش تعميم الحماية الاجتماعية. فإحداث هيئة مهنية تتمتع بالاستقلالية والصلاحيات القانونية من شأنه أن يعزز جودة الخدمات الصحية، ويرسخ مبادئ الحكامة والمساءلة، بما يخدم مصلحة الطبيب والمريض على حد سواء، في انتظار الحسم النهائي في المشروع خلال جلسة التصويت المرتقبة بمجلس النواب.

المقال التالي