آخر الأخبار

البنك الدولي يقرض المغرب 265 مليون دولار.. إلى متى يظل الاقتراض حلاً سريعاً لـفشل حكومة الكفاءات؟

يُجمع خبراء المالية العامة على أن تنامي المديونية الخارجية لم يعد ظرفاً استثنائياً عابراً في تدبير الشأن العام بالمغرب، بل تحول إلى سمة هيكلية تهدد التوازنات الماكرو-اقتصادية للدولة. ومع كل إعلان عن قرض جديد، يطفو على السطح سؤال جوهري بشأن قدرة الحكومة على إنتاج بدائل تمويلية ذاتية، قبل أن يتحول الاقتراض من أداة ظرفية لإنعاش الاقتصاد إلى «إدمان مالي» مزمن يرهن القرار السيادي للبلاد.

وفي هذا السياق، أعلن البنك الدولي، اليوم الجمعة 3 يوليو، عن منح المغرب قرضاً بقيمة 265 مليون دولار، موجهاً لإنجاز محطة «إفاحسة» لتخزين الطاقة بالضخ شمال المملكة. ورغم تصنيف هذا المشروع ضمن أكبر استثمارات الطاقة النظيفة في القارة الإفريقية، بقدرة إنتاجية تبلغ 300 ميغاواط، فإن هذا التمويل الميسر لا يمكن فصله عن معضلة أعمق تتمثل في العجز المستدام عن تدبير احتياجات التنمية بعيداً عن الاستدانة الخارجية.

ويأتي هذا التمويل في ظل تحذيرات سبق أن أطلقها الخبير الاقتصادي محمد بودن بشأن مخاطر المديونية العمومية، إذ أكد أن «اللجوء المتكرر إلى القروض الخارجية، من دون رؤية مندمجة لتحقيق الاكتفاء الذاتي، يحول الدين من أداة لتمويل التنمية إلى قيد خانق على الخيارات المالية للدولة، ويهدد بفقدان هامش المناورة في مواجهة الصدمات الخارجية».

وتبرز المفارقة في كون المحطة صُممت لتؤدي دوراً محورياً في تعزيز مرونة الشبكة الكهربائية الوطنية، إذ ستتيح دمج ما لا يقل عن 1 غيغاواط من الطاقات المتجددة، كما ستسهم في تفادي انبعاث نحو 1.7 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً. غير أن هذه المكاسب البيئية، على أهميتها، تثير تساؤلات ملحة بشأن الجدوى المالية لمشروعات استراتيجية بهذا الحجم، تُنجز في ظل اعتماد متواصل على التمويل الخارجي، بينما تظل الميزانية العامة عاجزة عن توفير هوامش تمويلية ذاتية لمثل هذه الأوراش.

وتدرك الحكومة أن التكلفة الإجمالية للمشروع، المقدرة بنحو 500 مليون دولار، ستُغطى عبر مزيج من القروض والمنح، يشمل البنك الدولي للإنشاء والتعمير، وصندوق التكنولوجيا النظيفة، وصندوق الكوكب القابل للعيش، والبنك الإفريقي للتنمية. غير أن ما يُقدَّم رسمياً باعتباره «ثقة دولية» في الاقتصاد المغربي، يُقرأ، في المقابل، بوصفه مؤشراً إضافياً على هشاشة النموذج التنموي، الذي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات مالية خارجية يظل استمرارها رهيناً بإرادة الجهات المانحة.

ولم يعد عبء الدين يقتصر على أرقام تُسجل في دفاتر الخزينة العامة، بل أصبح يقيد قدرة الحكومة على توجيه الموارد نحو القطاعات الاجتماعية ذات الأولوية. فكل نقطة مئوية إضافية في خدمة الدين العام تعني عملياً اقتطاعاً صامتاً من ميزانيات الصحة والتعليم والتشغيل، وهي القطاعات نفسها التي تراهن عليها حكومة أخنوش لتحسين مؤشراتها وتعزيز رصيدها لدى الرأي العام.

وفي المقابل، تبدو الحكومة، التي رفعت شعار «اليقظة الاقتصادية» خلال ولايتها، أسيرة مقاربة إنمائية تقوم على تسريع وتيرة الاستدانة، من دون تقديم ضمانات كافية لتحويل هذه الاستثمارات إلى ثروة منتجة تقلص الحاجة إلى مزيد من الاقتراض. كما أن غياب استراتيجية واضحة للتخارج التدريجي من دائرة المديونية يثير علامات استفهام حول مدى مصداقية الخطاب الحكومي المرتبط بتعزيز السيادة الاقتصادية.

وفي هذا الإطار، وصف أحمدو مصطفى نداي، مدير إدارة البنك الدولي للمغرب ومالطا، المبادرة بقوله: «إنها نموذج للشراكات التحويلية التي تجمع بين المؤسسات المتعددة الأطراف والسلطات الوطنية، وتعبئة رأس المال والاستثمار في البنية التحتية التي تحقق عوائد بيئية واجتماعية واقتصادية». إلا أن هذا التفاؤل المؤسساتي يصطدم بواقع اقتصادي تتزايد فيه مؤشرات العجز، وبأسئلة مشروعة يطرحها المواطنون حول موعد جني ثمار هذه الاستثمارات وانعكاساتها الفعلية على حياتهم اليومية.

وبين الخطاب الرسمي الذي يحتفي بثقة المؤسسات المالية الدولية، والتخوفات المتزايدة من اتساع دائرة المديونية، يقف الاقتصاد المغربي أمام اختبار حقيقي يفرض مراجعة عميقة لأولويات التمويل العمومي. فاستمرار الاعتماد على الاقتراض، مهما كانت شروطه ميسرة، لا يمكن أن يشكل بديلاً دائماً عن بناء نموذج اقتصادي قادر على تعبئة موارده الذاتية، بما يضمن تمويل المشاريع الاستراتيجية من دون تعميق أعباء الدين أو التضييق على هوامش القرار المالي للدولة.

المقال التالي