وسط إضرابات المحامين.. وهبي يدافع عن مشروع قانون المحاماة ويكشف أبرز التعديلات

يواصل مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة إثارة جدل واسع في الأوساط القانونية والحقوقية، بعدما تحول خلال الأسابيع الأخيرة إلى أحد أكثر الملفات سخونة على الساحة الوطنية، في ظل استمرار الاحتجاجات والإضرابات التي تخوضها هيئات المحامين بمختلف محاكم المملكة رفضا لمضامين يعتبرون أنها تمس باستقلالية المهنة وتوسع من تدخل السلطة التنفيذية في تدبير شؤونها. وقد انعكس هذا الوضع بشكل مباشر على سير مرفق العدالة، بعدما تعطلت جلسات وملفات وقضايا تهم آلاف المواطنين، ما جعل الدعوات تتزايد لإيجاد مخرج سريع للأزمة عبر الحوار والتوافق.
وفي خضم هذا الجدل، دافع وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، اليوم الخميس، عن الصيغة الجديدة لمشروع القانون خلال تقديمه في إطار القراءة الثانية أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، معتبرا أن التعديلات التي طالت النص جاءت استجابة لالتزامات الأغلبية الحكومية وتوصيات المؤسسات الأممية، وأن الهدف منها هو تعزيز حماية حقوق المواطنين، وترسيخ مبادئ الشفافية المالية داخل هيئات المحامين، مع الحفاظ على استقلالية المهنة.
وأوضح الوزير أن المشروع لم يأت بشكل أحادي، بل كان ثمرة مشاورات مطولة مع مختلف المتدخلين، أسفرت عن إدخال حوالي 200 تعديل، بعد جولات من الحوار أبدت خلالها وزارة العدل مرونة للوصول إلى توافقات بشأن عدد من المقتضيات التي كانت محل خلاف.
وأشار إلى أن تأجيل مناقشة المشروع في مرحلة سابقة لم يكن نتيجة وجود خلافات مع الهيئات المهنية، وإنما بسبب ارتباطه بمهمة رسمية خارج أرض الوطن، مؤكدا أن المشاورات المتواصلة مكنت من تقريب وجهات النظر حول عدد من القضايا الأساسية.
ومن بين أبرز المستجدات التي حملها المشروع، تحديد سن الولوج إلى معاهد المحاماة في 45 سنة بالنسبة لحاملي الشهادات، واعتماد أقدمية لا تقل عن 20 سنة من الممارسة للترشح لمنصب النقيب، إلى جانب تقليص عدد الولايات المهنية من أربع إلى ولايتين، في خطوة قال الوزير إنها تروم تكريس مبدأ التداول داخل الهيئات المهنية.
كما تمسك وزير العدل بمقتضيات إخضاع صناديق الودائع التابعة لهيئات المحامين لآليات الرقابة، معتبرا أن الأموال المودعة بها تعود في الأصل إلى المواطنين والمتقاضين، وتستوجب ضمان تتبع مصدرها ومآلها في إطار تعزيز الشفافية وحماية الحقوق المالية لأصحابها.
ويتضمن المشروع أيضا مقتضيات تمنع هيئات المحامين من اقتطاع أي نسبة من التعويضات أو المبالغ المالية المحكوم بها لفائدة المتقاضين، بعدما كانت بعض الممارسات تعرف، بحسب الوزير، اقتطاعات بلغت في بعض الحالات 10 في المائة من قيمة الأحكام، مؤكدا أن النص الجديد يهدف إلى ضمان توصل أصحاب الحقوق بكامل مستحقاتهم.
وفي المقابل، يقترح المشروع إحداث آلية جديدة لدعم الصناديق المهنية، من خلال تخصيص مبلغ 150 درهما عن كل ملف يتم تنفيذه، برسم أتعاب المحاماة والمصاريف القضائية، لفائدة صناديق هيئات المحامين.
أما بخصوص شكايات المواطنين ضد المحامين، فقد نص المشروع على منح النقيب أجل 90 يوما للبت فيها، على أن يحق للمشتكي، في حال رفضها أو عدم البت فيها داخل الأجل المحدد، إحالة الملف على الوكيل العام للملك لاتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، في صيغة اعتبرها الوزير توفق بين احترام استقلالية المهنة وضمان حقوق المواطنين.
غير أن هذه التبريرات لم تنهِ حالة الاحتقان داخل أسرة الدفاع، إذ تواصل جمعية هيئات المحامين بالمغرب وفيدراليات مهنية أخرى رفض المشروع بصيغته الحالية، معتبرة أن عددا من مواده يمس باستقلالية المحاماة ويقيد صلاحيات الهيئات المهنية، كما تطالب بسحب النص وفتح حوار جديد يفضي إلى إصلاح توافقي يحترم المبادئ الدستورية المؤطرة للمهنة. وفي إطار هذا التصعيد، يخوض المحامون إضرابات متواصلة ووقفات احتجاجية أمام البرلمان، مع التلويح بخطوات تصعيدية إضافية في حال استمرار المسار التشريعي للمشروع دون الاستجابة لمطالبهم.
وبين تمسك الحكومة بكون المشروع يشكل إصلاحا ضروريا لتحديث مهنة المحاماة وتعزيز الحكامة والشفافية، وإصرار المحامين على أنه يمس باستقلالية الدفاع، يبقى المواطن الحلقة الأكثر تضررا من استمرار هذا التجاذب، بعدما أدى توقف المحامين عن العمل إلى تعطيل عدد كبير من القضايا وتأجيل جلسات المحاكم وتعثر مصالح المتقاضين بمختلف محاكم المملكة. لذلك، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى تسريع الحوار بين مختلف الأطراف، بما يضمن إخراج قانون توافقي يحافظ على استقلالية مهنة المحاماة، ويصون حقوق المواطنين، ويعيد مرفق العدالة إلى السير بشكل طبيعي بعيدا عن أي شلل أو احتقان.

تعليقات