لإنقاذ مصانعها الكبرى.. أوروبا تدرس احتساب إنتاج سيارات المغرب ضمن خانة “صنع في أوروبا”

في تحرّك يعكس عمق التحولات التي تشهدها الصناعة الثقيلة داخل القارة العجوز، تقود رابطة مصنّعي السيارات الأوروبيين «ACEA» حملة مكثفة لإعادة تعريف مفهوم «المنتج الأوروبي»، بما قد يتيح إدراج إنتاج دول لم تكن تاريخياً ضمن الحدود الجغرافية للاتحاد. وتقوم هذه المقاربة على قناعة مفادها أن حماية النسيج الصناعي الأوروبي قد تتطلب الاعتراف بامتداداته الإنتاجية خارج الاتحاد، باعتبارها جزءاً من سلاسل قيمة مترابطة وعابرة للحدود.
وقدّمت الرابطة، التي تمثل أبرز الفاعلين في قطاع السيارات بأوروبا، مذكرة رسمية إلى المفوضية الأوروبية دعت فيها إلى مراجعة بنود قانون تسريع الصناعة الجاري إعداده في بروكسل. وطالبت الوثيقة بإدراج استثناءات واضحة تشمل المغرب وتركيا والمملكة المتحدة، بما يسمح باحتساب السيارات المُنتَجة في هذه الدول ضمن خانة «صنع في أوروبا»، وذلك حمايةً للاستثمارات القائمة وسلاسل التوريد المتداخلة التي تشكل أساس التنافسية الصناعية الأوروبية.
ويبرز مصنع مجموعة «Stellantis» بمدينة القنيطرة في المغرب بوصفه أحد أبرز النماذج التي تستند إليها الرابطة في طرحها، بالنظر إلى تحوله إلى منصة صناعية متقدمة تضاهي كبريات المصانع داخل أوروبا. وتصل الطاقة الإنتاجية للمجموعة، إلى جانب مصنعها في بورصة التركية، إلى نحو 800 ألف سيارة، ما يعكس حجم التشابك الصناعي بين الضفتين، ويبرز في الوقت ذاته حساسية أي قرار قد يؤدي إلى إعادة تصنيف هذا الإنتاج خارج الإطار الأوروبي الموسّع.
وتنبع مخاوف «ACEA» من الصياغة الحالية للمشروع التشريعي، الذي يميل إلى تحصين الإنتاج داخل حدود الاتحاد الأوروبي، غير أن تطبيقه الصارم قد يؤدي، بحسب تقديرات الرابطة، إلى إضعاف سلاسل التوريد القائمة، وإرباك استثمارات صناعية كبرى، وتهديد مناصب شغل مرتبطة بها. لذلك تقترح الرابطة اعتماد بند خاص بـ«الحقوق المكتسبة»، يسمح بإدماج الإنتاج القائم خارج الحدود ضمن المنظومة الصناعية الأوروبية، شريطة ارتباطه بقدرات إنتاجية مثبتة قبل تاريخ مرجعي محدد، وعدم انتقال الملكية إلى فاعلين جدد.
وتتجاوز المذكرة المفهوم التقليدي للتجميع الصناعي، لتطرح تعريفاً أوسع لـ«المحتوى المحلي»، يشمل البحث والتطوير والهندسة المتقدمة وساعات العمل المؤهلة، انطلاقاً من أن السيارة الحديثة نتاج منظومة معقدة لا تُختزل في مكوناتها المادية فقط. ويأتي هذا الطرح في سياق الضغوط المتزايدة التي تواجهها الصناعة الأوروبية بفعل التوسع الصيني داخل أسواق القارة، ما دفع بروكسل إلى إعادة النظر في أدوات الدعم العمومي وربطها بنسب أعلى من المكونات المصنّعة داخل الفضاء الأوروبي.
وفي هذا السياق، يكتسب المغرب موقعاً متقدماً بصفته شريكاً صناعياً محورياً، خاصة في ظل الحضور القوي لشركتي «Stellantis» و«Renault» وشبكة الموردين المرتبطة بهما. ومن شأن أي اعتماد أوروبي للمقترح أن يعزز تموقع المملكة داخل الخريطة الصناعية الأوروبية، ليس فقط كقاعدة إنتاجية تنافسية، بل كشريك مندمج في سلاسل القرار الصناعي ومساراته المستقبلية، بما يعيد رسم حدود العلاقة بين الضفتين على أسس أكثر تكاملاً واندماجاً.

تعليقات