النفط يهبط دون مستويات ما قبل الحرب.. فمتى ينخفض سعر البنزين في محطات المغرب؟ (وثيقة)

بينما تتنفس الأسواق العالمية الصعداء مع تراجع أسعار النفط الخام إلى أدنى مستوياتها منذ أشهر، يقف المستهلك المغربي حائراً أمام شاشات محطات الوقود التي لا تعكس أي أثر لهذا الانفراج الدولي. فبعد أن لامس خام برنت حاجز 72.48 دولاراً للبرميل، وهو المستوى الذي كان سائداً قبل يوم واحد من شنّ الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهما على إيران في 28 فبراير، يعود السؤال الملح إلى الواجهة: لماذا يدفع المغاربة ثمن حرب انتهت تداعياتها في الأسواق العالمية، بينما لا يزال الغلاء ماثلاً في حياتهم اليومية؟
هذا الهبوط الحاد جاء تتويجاً لمسار دبلوماسي شاق، تُوّج بالتوقيع على مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران في 17 يونيو، نصّت على فترة 60 يوماً للتفاوض حول البرنامج النووي، إلى جانب رفع جزئي للعقوبات عن الصادرات النفطية الإيرانية. وبالتزامن مع ذلك، استأنفت الملاحة الدولية عبورها لمضيق هرمز؛ حيث كشفت بيانات شركة «كبلر» المتخصصة أن 284 سفينة عبرت الممر المائي منذ 18 يونيو، في مشهد وصفه ديميتريس مانياتيس، الرئيس التنفيذي لشركة «ماريسكس»، بـ«التحول الهائل» الذي أخرج الملاحة من عنق الزجاجة بعد أشهر من الاضطراب.
لكن خلف هذه الأرقام المطمئنة، يختبئ واقع مغاير تماماً داخل السوق المغربية؛ واقع تتحكم فيه ترسانة من الرسوم والضرائب وهوامش الربح، تجعل من تسعيرة المحروقات لغزاً معتماً يصعب تفكيك عناصره. ففي الوقت الذي وجّه فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتهامات مباشرة لعمالقة الطاقة بـ«استغلال» السائقين، وأمر بفتح تحقيق في هذا الملف، يظل المواطن المغربي أسيراً لمحطات لا تتحرك أسعارها بالوتيرة نفسها، وكأن أنبوب النفط الواصل إليها ينبع من كوكب آخر غير ذلك الذي تنخفض فيه الأسعار.

ويكمن جوهر الأزمة في المنطق المقلوب الذي يحكم السوق الوطنية؛ إذ تسارع الشركات المستوردة إلى رفع الأسعار تدريجياً كلما هبّت رياح التوتر في الأسواق الدولية، بينما تتلكأ لأشهر عند ترجمة الانخفاضات إلى تخفيضات ملموسة. وتتجسد هذه الازدواجية في ظل حكومة يقودها عزيز أخنوش، الذي يُثار حوله جدل بشأن الجمع بين رئاسة الحكومة والارتباط السابق بقطاع المحروقات عبر مجموعته، ما يطرح تساؤلات حول تضارب المصالح وانعكاسه على جرأة التدخل في ضبط السوق أو فتح تحقيقات جدية في جمود الأسعار.
وتزداد الصورة قتامة حين يتبين أن هيئات المراقبة في دول غربية بدأت تتحرك فعلياً لمساءلة الفاعلين في القطاع؛ ففي بريطانيا، ورغم أن هيئة المنافسة لم تجد أدلة واسعة النطاق على التلاعب، فإنها أقرت بمواصلة المراقبة الدقيقة للقطاع. كما توقّع سيمون ويليامز، رئيس السياسات في مؤسسة «آر إيه سي»، أن ينخفض سعر البنزين إلى أقل من 150 بنساً للتر خلال أسبوع. أما في المغرب، فلا تلوح في الأفق مؤشرات مماثلة، ولا يبدو أن الجهات الوصية تعتمد أدوات متابعة آنية أو تمتلك إرادة سياسية كافية لفض الاشتباك بين المال العام ومصالح الفاعلين المحتكرين.
هذا الفشل في نقل أثر الانخفاضات إلى السوق المحلية لا يمكن فصله عن بنية تسعيرية تسمح للمستوردين والتجار بالاحتماء خلف تبريرات متكررة، مثل تقلب سعر الصرف أو ارتفاع كلفة الشحن، في وقت تشير فيه المعطيات إلى عودة تدريجية لحركة الناقلات عبر مضيق هرمز، بعد تنسيق لتأمين الملاحة وتخفيف التوتر في الممرات البحرية. ومع ذلك، لا يزال المستهلك المغربي يواجه فاتورة محروقات تفوق قدرته الشرائية، في مقابل سوق دولية تشهد انسياباً متزايداً للإمدادات.
هذا التباعد الصارخ بين الجغرافيا الاقتصادية للمغرب وإيقاع السوق الدولية يكشف عن اختلالات بنيوية في الحكامة، جعلت من أسعار المحروقات ملفاً عالقاً في فراغ تنظيمي تغيب عنه آليات التتبع والمساءلة. فحين ترتفع الأسعار محلياً تُقدَّم التوترات الجيوسياسية مبرراً مباشراً، وحين تنخفض عالمياً تُستحضر عقود الشراء أو كلفة التخزين أو تقلبات الأسواق الآجلة، في معادلة تبدو أحادية الاتجاه: سرعة في الرفع، وبطء شديد في التخفيض.
وتترسخ، مع كل موجة انخفاض دولي لا تنعكس محلياً، قناعة لدى شريحة واسعة من المستهلكين بأن منظومة تسعير المحروقات لا تستجيب بشكل متوازن لدورات السوق العالمية. وبينما تتجه دول أخرى إلى مراجعة الأسعار أو التحقيق في هوامش أرباح الشركات، يظل السائق المغربي يدفع الثمن في سياق اقتصادي ضاغط، تتداخل فيه اعتبارات السوق مع إشكالات الحكامة وضعف آليات الرقابة.

تعليقات