آخر الأخبار

خلف ستار “البناء والهدم”.. الوزيرة المنصوري تعلق فشلها على مشجب الداخلية

لم تعد الجلسة العمومية بمجلس النواب فضاء لتقديم الأجوبة الشاملة. تحولت إلى منصة تتقاذفها رسائل الأغلبية المبطنة، وفي مشهد يختزل تناقضاً صارخاً بين الموقع والمسؤولية، خرجت فاطمة الزهراء المنصوري، الوزيرة المكلفة بقطاع إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، بعبارة أربكت المتتبعين حين صرخت في وجه النواب: «حنا جينا نبنيو مجيناش نريبو»؛ وكأن لسان حالها يبحث عن متهم جاهز لترمي عليه أوزار قطاع يئن تحت وطأة أعطاب مزمنة.

شاهد المغاربة هذا المشهد الأمس بقلق واضح. الحكومة التي منحوها ثقتهم لم ينتخبوها كي ينشغل أعضاؤها بمعارك جانبية لتبرئة الذات. وما إن انقضت جلسة الاثنين، حتى تسربت العبارة من قبة البرلمان إلى الشارع، فانكشف قدر كبير من العبث السياسي الذي يمارسه مسؤول يفترض أن يتحلى بالتضامن الحكومي، لا أن يمارس توزيع التهم كمن ينفض يديه من إرث ثقيل.

في جوهر المشكلة تكمن مفارقة لافتة. هذه التصريحات تحمل إقراراً ضمنياً بعجز تدبيري يتخفى وراء اتهام موارب لوزارة الداخلية. فحين يكون الملف مشتركاً بين مؤسسات الدولة، يصبح من السذاجة السياسية اختزال معادلة التدخل العمومي في شقين متنافرين: جهة تسعى إلى «البناء» وأخرى تنشغل بـ«الهدم»، في صورة نمطية تختزل تعقيدات التهيئة العمرانية في لعبة اتهامات عقيمة.

الواقع على الأرض يروي حكاية مختلفة. أزمة السكن لا تزال تخنق آلاف الأسر المغربية، والحصول على رخصة تعمير ما يزال رحلة عذاب بيروقراطي تستنزف المهنيين والمستثمرين، بينما يظل الخطاب الرسمي معلقاً في فراغ الوعود دون أن يلامس أرض الواقع.

إن إصرار الوزيرة على تقديم «الداخلية» بصفتها الجهة الوحيدة المسؤولة عن القرارات غير الشعبية، يعكس وهماً سياسياً لم يعد ينطلي على أحد. الحكومة الحالية تتحمل المسؤولية الجماعية كاملة أمام الشعب. والغريب أن مكوناتها سرعان ما تتسابق نحو نسب المشاريع إليها حين تكون الظروف مواتية، ثم تشرع في التخفي خلف الأصابع كلما تحول ملف ما إلى مصدر غضب شعبي عارم.

تشير هذه الواقعة إلى أزمة أعمق تنخر جسد الأغلبية الحكومية. بدل البحث عن حلول جذرية تعيد للسكنى والعمران توازنهما المفقود، بدأت الحسابات الانتخابية الضيقة تفرض إيقاعها على السلوك الوزاري. التضامن الحكومي تحول إلى عبء يُلقى به عرض الحائط كلما اشتدت العاصفة، في انتظار استحقاقات قادمة تجعل من «شماعة الداخلية» غطاءً جاهزاً لإخفاقات تدبيرية لم تعد تحتمل التبرير.

تجدر الإشارة إلى أن المنصوري، التي تتقنع اليوم بقناع ضحية «الهدم» المزعوم، تدير قطاعاً تتداخل فيه مصالحها السياسية والعقارية بشكل لم يعد خافياً على أحد. بين موقعها الحكومي ومواقع حزبها داخل الجماعات الترابية، تضيع الحدود بين من يرخص ومن يبني ومن يحاسب. أزمتا السكن والتعمير تظلان أسيرتي شبكة مصالح يحرسها صمت مطبق، بينما تتحول منصة البرلمان إلى مجرد مرآة تعكس انفصاماً صارخاً بين خطاب الوزيرة وحقيقة قطاع أنهكته الصفقات قبل أن تنهكه الكوارث الطبيعية.

المقال التالي