آخر الأخبار

تحقيق: من المستفيد الحقيقي من غلاء أسعار اللحوم الحمراء.. “الكساب” أم الوسيط أم المضارب؟

لم تعد الارتفاعات المتتالية في أسعار اللحوم الحمراء مجرد أزمة موسمية عابرة بالمغرب، بل تحولت إلى مختبر يومي يكشف اختلالات عميقة في سلسلة الإنتاج والتوزيع، من الكلأ والعلف وصولاً إلى طبق المستهلك. فالرقم الذي كان يُعد صادماً قبل سنوات أصبح اليوم «سعر الافتتاح» في الأسواق؛ فعندما يتجاوز سعر الجملة 140 درهماً للكيلوغرام من لحم الأغنام و105 دراهم للكيلوغرام من لحم الأبقار، لا يعود السؤال المطروح هو: «لماذا ارتفع السعر؟»، بل: «من ينتزع القيمة الحقيقية من هذا الغلاء المستحكم؟».

وتقدم لوحات التداول في أسواق الجملة بالدار البيضاء وفاس ومدن مغربية أخرى شاهداً رقمياً بليغاً على هذا التحول. فهذه الأرقام لا تعكس مجرد مؤشرات تجارية عابرة، بل تختزل في طياتها قصة ست سنوات من الارتفاع شبه المتواصل. ولم يعد الأمر مرتبطاً بمنطق المواسم أو المناسبات الدينية، بل أصبح يرسم ملامح واقع استهلاكي جديد يهدد بتحويل اللحوم الحمراء إلى سلعة بعيدة عن متناول شريحة واسعة من الأسر المغربية.

وعند إخضاع تطور الأسعار لتحليل زمني، يبرز نمط لافت في مسار السوق. فمنذ أبريل 2020 إلى يونيو 2026، قفز سعر الجملة للحوم الأغنام من 58 درهماً إلى 140 درهماً للكيلوغرام، بزيادة تجاوزت 140 في المائة، فيما انتقل سعر لحم الأبقار من 63 درهماً إلى 105 دراهم، بارتفاع ناهز 65 في المائة. ولا تكمن خطورة هذه الأرقام في حجم الزيادة فقط، بل في وتيرة حدوثها التي تأخذ شكل مراحل متتالية: «ارتفاع حاد، استقرار مؤقت، ثم موجة جديدة من الصعود»، وكأن السوق تختبر تدريجياً قدرة المستهلك على التكيف مع الأسعار الجديدة قبل تثبيتها كأمر واقع.

وفي قلب هذه المعادلة، تتضارب روايات الفاعلين حول المسؤول الحقيقي عن هذا الغلاء. فمصدر من تجار الجملة يصف المستويات الحالية للأسعار بأنها «مفرطة»، مرجعاً ذلك إلى محدودية العرض المحلي مقارنة بحجم الطلب. غير أن المصدر نفسه يفتح باباً آخر للتساؤل، حين يشير إلى أن شحنات اللحوم المستوردة من البرازيل سرعان ما تتلاشى داخل فجوة الطلب الكبيرة، وهو ما يطرح علامات استفهام حول الجهات المتحكمة في تدفق هذه الواردات ومدى قدرتها على التأثير الفعلي في الأسعار النهائية بالسوق الوطنية.

في المقابل، تقدم الجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز قراءة مختلفة للأزمة، معتبرة أن جوهر المشكلة يكمن في التحول العميق الذي عرفته بنية الاستهلاك والإنتاج خلال السنوات الأخيرة. فخلال ثلاث سنوات فقط، تراجع إنتاج لحوم الأبقار من نحو 300 ألف طن إلى 150 ألف طن، في حين ارتفعت مساهمة الأغنام من 200 ألف طن إلى 350 ألف طن. هذا التحول الحاد أعاد رسم خريطة الطلب الوطني، وألقى بضغط إضافي على قطاع الأغنام لتعويض التراجع المسجل في إنتاج الأبقار.

وحين تُترجم هذه المعطيات إلى أعداد الرؤوس الحية، تتضح الصورة بشكل أكثر دقة. فالعجز المقدر بحوالي 150 ألف طن من لحوم الأبقار جرى تعويضه عبر الأغنام، وهو ما يعادل استهلاك السوق لما يقارب ثمانية ملايين رأس إضافية. ويكشف هذا الرقم حجم الضغط الواقع على القطيع الوطني، كما يثير تساؤلات حول الجهات القادرة على تجميع هذه الأعداد الكبيرة والتحكم في توجيهها نحو الأسواق خلال فترات الذروة.

وفي خضم الاتهامات الموجهة إليهم، يدافع «الكسابون» عن أنفسهم، مؤكدين أن ارتفاع تكاليف الإنتاج يستنزف هوامش أرباحهم بشكل متزايد. ويشرح مصدر من الجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز أن الدعم المخصص لذكور الأضاحي لا يغطي سوى تكاليف التغذية لأسبوع واحد تقريباً. والأكثر إثارة أن الإعلان عن دعم الأعلاف ترافق، بحسب المصدر ذاته، مع ارتفاع فوري في أسعارها بنسبة تراوحت بين 40 و50 في المائة، ما يسلط الضوء على حلقة أساسية في سلسلة الغلاء، تتمثل في موردي الأعلاف والمدخلات البيطرية الذين يستفيد بعضهم من موجات الدعم عبر رفع الأسعار.

وتتعمق الشكوك بشأن هوية المستفيد الأكبر بعد مغادرة الحيوان للضيعة. ففي مثال تقدمه الجمعية الوطنية من واقع مناسبة الأضحية، قد يشتري المواطن الذبيحة مقابل 5.000 درهم، ثم يجد نفسه مطالباً بأداء نحو 1.500 درهم إضافية مقابل خدمات الذبح والتقطيع. ويكشف هذا الفارق تضخماً واضحاً في هوامش الربح داخل الحلقات الأخيرة من سلسلة التوزيع، حيث تتراكم مبالغ مهمة بعيداً عن المنتج الأول الذي تحمل تكاليف التربية والرعاية طوال أشهر.

كما تشير معطيات المتابعة الميدانية إلى بروز فاعلين جدد في سوق اللحوم الحمراء، خاصة داخل بعض فضاءات التوزيع الحديثة التي تعرض أجزاء من لحم الأغنام بأسعار تصل إلى 250 درهماً للكيلوغرام. ويعكس هذا المستوى السعري المرتفع قدرة بعض المتدخلين على فرض هوامش ربح كبيرة، مستفيدين من ضعف الشفافية وتشتت قنوات البيع، بما يسمح بإعادة تسعير الكميات المتاحة وفق منطق العرض المحدود والطلب المرتفع.

ومن خلال تتبع مسار الدرهم منذ خروجه من جيب المستهلك إلى وصوله لمختلف حلقات السلسلة الإنتاجية، يتضح أن المشهد أكثر تعقيداً من اختزاله في طرف واحد. فـ«الكساب»، رغم تصدره قائمة المتهمين في نظر الكثيرين، يواجه بدوره ارتفاعاً متواصلاً في أسعار الأعلاف والأدوية والخدمات المرتبطة بالإنتاج. أما الهوامش الأكثر تضخماً فتبدو متركزة في المساحات الفاصلة بين الضيعة والمستهلك، حيث تتقاطع مصالح موردي الأعلاف، وبعض الوسطاء، وشبكات التوزيع، فضلاً عن المضاربين الذين يستفيدون من محدودية العرض وغياب الشفافية الكافية داخل السوق. وهكذا، تبدو أزمة اللحوم الحمراء نتاج بنية سوقية معقدة تتوزع فيها مسؤولية الغلاء بين عدة حلقات، فيما يظل المستهلك الطرف الأضعف في معادلة تتحكم فيها كلفة الإنتاج والوساطة والمضاربة في آن واحد.

المقال التالي