بعد 14 جلسة.. المحكمة العليا الإسبانية تصدر حكماً قاسياً في قضية تورط فيها مسؤولون مغاربة بارزون

لم تكن صفقات الكمامات التي سارت بها إسبانيا زمن الجائحة مجرد تدبير استعجالي عابر، بل سرعان ما انكشفت خيوطها لتتحول إلى فضيحة مدوية هزت أركان النخبة السياسية، وامتدت أصداؤها إلى الضفة الأخرى من المضيق.
أصدرت الغرفة الجنائية بالمحكمة العليا، اليوم الاثنين، حكماً بإجماع أعضائها قضى بسجن وزير النقل السابق خوسيه لويس أبالوس لمدة 24 عاماً، ومعاقبة مستشاره السابق كولدو غارسيا بـ 19 عاماً، ورجل الأعمال فيكتور دي ألداما بأربع سنوات ونصف. وجاء القرار بعد 14 جلسة مطولة عُقدت خلال شهري أبريل ومايو، على خلفية قضية فساد مرتبطة بتوريد الكمامات زمن جائحة كورونا.
استند القضاة في إدانتهم إلى أدلة أثبتت تشكيل تنظيم إجرامي محكم، توزعت فيه الأدوار بدقة بين الرشوة واختلاس المال العام واستغلال النفوذ. وخلصت المحكمة إلى أن المتهمين الثلاثة أداروا شبكة استهدفت توجيه صفقات عمومية لتحقيق مكاسب غير مشروعة، وهو ما تجسد بوضوح في خروقات جسيمة شابت إسناد عقد لتوريد 13 مليون كمامة إلى مؤسستي «Puertos del Estado» و«Adif» الحكوميتين، لفائدة شركة مربوطة برجل الأعمال المدان.
كشفت التحقيقات عن مزايا مالية وعينية جرى تقاسمها بين أركان الشبكة، شملت مبالغ شهرية ثابتة، وتوظيف مقربين في شركات عمومية، وعقوداً عقارية مشبوهة مقابل التدخل في ملفات اقتصادية بالغة الحساسية. وفي خطوة لافتة، علقت المحكمة تنفيذ عقوبة السجن الصادرة في حق دي ألداما، نظراً لتعاونه الجوهري في تفكيك النسيج الإجرامي للشبكة، شرط التزامه بعدم ارتكاب جرائم جديدة، وتقديم تقارير دورية، وإنجاز سنة عمل للمنفعة العامة.
يكتسب هذا الملف القضائي بعداً خاصاً في المغرب، إذ امتدت خيوط التحقيقات إلى داخل المملكة بعدما رصد تقرير للحرس المدني الإسباني محاولات للتأثير في مسار مشروع ميناء القنيطرة الصناعي، سعياً لتحقيق مكاسب لشركة إسبانية يملكها سانتوس سيردان، القيادي السابق في الحزب الاشتراكي. وجاء ذلك خلال زيارة رسمية أجراها الوزير المُدان أبالوس إلى المغرب سنة 2019، مما أضفى على القضية تعقيداً دبلوماسياً واقتصادياً لافتاً.
ورد في التقرير ذاته اسما وزيرين مغربيين سابقين، هما عزيز رباح وعبد القادر عمارة، ضمن مراسلات داخلية متبادلة بين الأطراف المتورطة في الملف الإسباني. غير أن الوثائق القضائية لم توجه أي اتهام جنائي مباشر إليهما، مكتفية بالإشارة إلى محاولات التواصل مع مسؤولين مغاربة، دون أن تُثبت تورطاً في الوقائع التي كانت محل المتابعة القضائية.

تعليقات