غضب برلماني يفجّر انقسام الأغلبية.. اتهامات نارية تطال وزير الفلاحة وملف «الفراقشية» يتصدر المشهد

انتقلت شظايا الغضب الشعبي من طوابير الأسواق إلى ردهات المؤسسة التشريعية، لتنفجر مواجهة غير مسبوقة مزّقت ستار التماسك الهش داخل الأغلبية الحكومية. وتجسّد هذا الانفجار على لسان هشام المهاجري، البرلماني والقيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، الذي صبّ جام اتهاماته على أحمد البواري، وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، محمّلاً إياه وزر اختلالات وصفها بالعميقة، في وقت يختنق فيه المواطنون تحت وطأة غلاء المعيشة وندرة الأضاحي.
وانطلقت الشرارة من على منصة إعلامية حساسة، إذ استُضيف البرلماني عن إقليم شيشاوة مساء الخميس في برنامج «للحديث بقية» على القناة الأولى. من هناك، تخلّى المهاجري عن لغة التهدئة الدبلوماسية المعتادة بين الحلفاء، وشرع في توجيه سهام نقد حادة مباشرة إلى أداء الوزارة، واضعاً الإصبع على ما أسماه بـ«اختلالات عميقة» تضرب صميم القطاع الفلاحي، في إحالة واضحة على تنامي نفوذ شبكات الوساطة التي تحوّلت إلى لاعب خفي يتحكم في الأسعار ويُرهق كاهل المغاربة.
وفي نقلة نوعية منحت التصريحات طابعاً تصعيدياً لافتاً، تجاوز البرلماني حدود النقد القطاعي ليمسّ جوهر السياسة السيادية للبلاد، معتبراً أن الأمن الغذائي لم يعد خاضعاً لقرار الدولة، بل بات «مُرتهناً» لإرادة هيئات مهنية وفيدراليات متنفّذة. وساق المهاجري أرقاماً صادمة تجاوز فيها ثمن النعجة حاجز 8,000 درهم، مؤكداً أن ما يجري لم يعد أزمة ظرفية عابرة مرتبطة بموسم عيد الأضحى، بل مؤشر خطر على خلل بنيوي يهدد التوازن الفلاحي برمّته.
ولم تهدأ العاصفة عند هذا الحد؛ إذ فتح المهاجري ملف الدعم الفلاحي في مواجهة مباشرة مع تصريحات الوزير داخل البرلمان. وبلهجة جمعت بين التهكم والغضب الصريح، قال القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة: «كنقولوا دعمنا الإنتاج هنا، وفي نفس الوقت الصادرات الإسبانية ارتفعت بـ50 في المائة!»، مستعرضاً مفارقة وصفها بالصادمة: ففي الوقت الذي تضخ فيه الدولة أموال الدعم لفلاحيها، يتوجّه الإنتاج للاستفادة من السوق الإسبانية، ليختم بعبارته اللاذعة: «إذا كانت وزارة الفلاحة ولات هي وزارة الفلاحة الخارجية، خاصنا نفهمو الرؤية ديالها!».
وعمّق البرلماني جرح الأزمة حين انتقل من تشخيص الواقع إلى استشراف مستقبل قاتم ينتظر القدرة الشرائية للمواطنين، محذّراً من أن أسعار الخضر والفواكه مرشّحة لارتفاعات صاروخية قد تتجاوز عتبة 20 و30 درهماً للكيلوغرام في حال استمرار الوضع دون تدخّل عاجل، وهو إنذار ينبئ بانفجار غضب اجتماعي أوسع وأشدّ حدة.
وتعكس هذه التصريحات النارية حجم التوتر المتصاعد في بيت الأغلبية الذي بدأت جدرانه تتآكل من الداخل. فبينما تتجه أنظار المشهد السياسي نحو الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يتحوّل الملف الفلاحي إلى قنبلة موقوتة تهدد بتفجير التحالفات القائمة، معيداً رسم خريطة الصراع وفق معادلات جديدة عنوانها الأبرز الغضب والأرقام الصادمة.
وسط هذا المشهد الملتهب، يطفو على السطح سؤال الثقة الذي تجاوز حدود وزارة بعينها أو حزب بذاته، ليمتد كظلٍّ ثقيل فوق مجمل الفاعلين السياسيين. فحين تنقلب السجالات بين مكوّنات الأغلبية إلى تصفية حسابات علنية على إيقاع الغضب الشعبي، يتبدد آخر رصيد من التضامن الحكومي، ويجد المواطن نفسه وجهاً لوجه أمام نخبة يبدو همّها الوحيد توزيع الاتهامات وتحصين المواقع. وبين غلاء يُنهك الجيوب وخصومات تكشف هشاشة بنية الائتلاف، تترسّخ في الوعي الجمعي صورة مرّة: مصالح ضيّقة تتصارع فوق طاولة أنهكتها الأزمات، فيما تظلّ المعاناة اليومية للمغاربة مجرّد وقود لمعارك لا علاقة لها بموائدهم الخاوية.

تعليقات