بعد عقود من الاحتكار.. صندوق الإيداع يُقرّ بأن القطاع الخاص أجدر بتدبير معاشات المغاربة

أعلن صندوق الإيداع والتدبير عن خطوة لافتة في مسار إصلاح منظومة تدبير أصوله المالية، إذ أطلق طلب عروض يرمي إلى تفويض إدارة ما قيمته 15 مليار درهم من أصول نظام التقاعد الجماعي لتوزيع المعاشات، في قرار يُجسّد تحولاً جوهرياً في فلسفة المؤسسة تجاه إشراك القطاع الخاص في تدبير ثروتها.
جاء هذا الإجراء بعد نحو سبعة أشهر من الإعلان الأول الذي أطلقه المدير العام خالد صفير، حين أكد أن الصندوق بات مقتنعاً بأن سوق تدبير الأصول المغربية بلغت من النضج ما يُمكّنها من الاضطلاع بهذه المهمة. وقد اندرج ذلك في سياق استراتيجية واضحة المعالم، تقضي بأن يتخلى الصندوق تدريجياً عن الإدارة التشغيلية المباشرة، ليتمركز في دور الموزّع الاستراتيجي للأصول وصاحب القرار في انتقاء المديرين.
تتوزع الحصة المُعلنة البالغة 15 مليار درهم على شريحتين متمايزتين؛ 10 مليارات موجّهة نحو منتجات السوق ذات الدخل الثابت، و5 مليارات مخصصة للأسهم المدرجة في البورصة. وتُشير وثيقة طلب العروض إلى أن الصندوق انخرط في هذا المسار منذ عام 2021، حين أحال نحو 15 بالمئة من محفظة نظام التقاعد إلى مديرين خارجيين في تجربة استكشافية أسفرت عن نتائج مُشجّعة، دفعت المؤسسة إلى المضي قُدُماً نحو توسيع نطاق التفويض.
يُنظَّم طلب العروض وفق شريحتين مستقلتين: الأولى تتعلق بصناديق الاستثمار في الأسهم وتُتيح اختيار ما لا يتجاوز 5 شركات للتدبير، والثانية مخصصة للصناديق السندية متوسطة وبعيدة المدى مع إمكانية الاستعانة بما يصل إلى 10 مديرين. وتمتد العقود المُبرمة على مدى خمس سنوات، فيما تخضع الشركات المتقدمة لتقييم معمّق يشمل متانتها المالية ومنهجيتها الاستثمارية، فضلاً عن سجلها في الأداء بين عامَي 2021 و2025، وقدرتها على توظيف الذكاء الاصطناعي في منظومة التدبير.
تكتسب هذه العملية ثقلاً مضاعفاً في ضوء المعطيات المتعلقة بنظام التقاعد الجماعي لتوزيع المعاشات، إذ تبلغ احتياطياته نحو 140 مليار درهم، ويضم 132.243 منخرطاً، مع أفق استدامة مالية يمتد حتى عام 2059. ويتجلى الهدف المُعلن في رفع حصة المحفظة المُفوَّضة إلى ما يقارب 40 بالمئة من إجمالي أصول الأسهم والسندات، خارج الفروع التابعة لـ«CDG Capital».
يظل السؤال المطروح في الأوساط المالية المغربية هو ما إذا كانت هذه الخطوة تعبيراً عن رؤية استراتيجية استباقية، أم أنها اعتراف ضمني بمحدودية النموذج الذي اعتمده الصندوق طيلة عقود في تدبير مدخرات المتقاعدين؛ إذ يبقى الرهان الحقيقي مرهوناً بمدى قدرة القطاع الخاص على تحقيق ما لم تبلغه المؤسسة العمومية بمفردها.

تعليقات