آخر الأخبار

الأجور الهزيلة وغياب الكرامة تدفع الشباب إلى الفرار من مصانع “الكابلاج”

قبل سنوات، كانت المصانع المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية ومكونات السيارات تستقطب أعدادا كبيرة من الشباب الباحثين عن أول فرصة عمل، غير أن المعادلة بدأت تتغير بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، بعدما أصبحت هذه الوحدات الصناعية تواجه صعوبات متزايدة في استقطاب اليد العاملة والاحتفاظ بها، رغم استمرار معدلات البطالة في مستويات مرتفعة.

هذا التحول لا يعكس نقصا في الراغبين في العمل بقدر ما يكشف عن تغير عميق في نظرة الشباب إلى سوق الشغل. فالكثير من العاملين السابقين في هذا القطاع باتوا يرفضون العودة إلى المصانع التي اشتهرت بظروف عمل شاقة تعتمد على وتيرة إنتاج مرتفعة وضغط يومي متواصل، مقابل أجور يعتبرها كثيرون غير كافية لمواجهة متطلبات الحياة المتزايدة.

وتواجه شركات “الكابلاج” انتقادات متزايدة بسبب اعتمادها لسنوات طويلة على نموذج يقوم على الاستفادة من اليد العاملة الرخيصة، دون مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفها المغرب. فبينما ارتفعت أسعار السكن والمواد الاستهلاكية والخدمات الأساسية، ظلت الأجور في عدد من هذه الوحدات الصناعية محدودة، ما جعل العمل داخلها يفقد جزءا كبيرا من جاذبيته.

ولم يعد الشباب اليوم يقبل بالعمل تحت أي ظرف كما كان الحال في السابق، إذ برز وعي جديد يجعل الكرامة وظروف العمل والاحترام المهني عناصر أساسية في اختيار الوظيفة. وأصبح كثير من الشباب يفضلون خوض تجارب العمل الحر أو البحث عن فرص أخرى، حتى وإن كانت أقل استقرارا، بدل الخضوع لما يعتبرونه استغلالا لا يضمن لهم مستقبلا أفضل.

كما أن الانتقادات لا تتعلق فقط بمستوى الأجور، بل تمتد إلى طبيعة العمل داخل بعض المصانع التي تتطلب مجهودا كبيرا لساعات طويلة، مع محدودية فرص الترقية والتطور المهني. وهو ما يدفع عددا من العاملين إلى مغادرة القطاع بمجرد حصولهم على بديل، مهما كان بسيطا.

ويبدو أن الرسالة التي يبعث بها الشباب اليوم إلى أرباب هذه الشركات واضحة: لم تعد فرص الشغل وحدها كافية لجذب العمال، بل إن توفير بيئة عمل لائقة وأجور منصفة واحترام الحقوق المهنية أصبح شرطا أساسيا لاستقطاب الكفاءات والحفاظ عليها. فجيل اليوم أكثر وعيا بحقوقه وأكثر رفضا للتنازل عن كرامته مقابل راتب لا يلبي الحد الأدنى من تطلعاته.

وفي ظل هذا الواقع، تجد الشركات نفسها أمام تحد حقيقي يفرض عليها مراجعة سياساتها الاجتماعية والمهنية، لأن استمرار الاعتماد على منطق اليد العاملة الرخيصة لم يعد قادرا على ضمان استقرار الإنتاج أو استقطاب الموارد البشرية التي تحتاجها هذه المصانع لمواصلة نشاطها وتنافسيتها.

المقال التالي