«ترانسبرانسي المغرب» تفتح ملف الريع.. من المستفيد من شبكات النفوذ والامتيازات؟

أعلنت الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة «ترانسبرانسي المغرب» عن تنظيم ندوة صحفية في مقرها بالرباط، لتسليط الضوء على مظاهر اقتصاد الريع خلال الولاية الحكومية الحالية، في مبادرة تعكس احتدام النقاش العمومي حول أكثر القضايا ارتباطاً بالحكامة الجيدة ومكافحة الفساد وتعزيز العدالة الاقتصادية والاجتماعية.
وأفادت الجمعية، في بلاغ توصلت به «مغرب تايمز»، بأن الندوة ستركّز على رصد أبرز أشكال الريع التي تستفيد من خلالها فئات محددة من امتيازات اقتصادية واجتماعية لا تستند إلى الكفاءة أو المنافسة الشريفة، بل تُبنى على النفوذ والعلاقات الزبونية والقرب من مراكز القرار. واختارت الجمعية يوم الثلاثاء موعداً لهذا اللقاء المفتوح على أسئلة جريئة حول جدوى الإصلاحات المعلنة.
ويُجمع خبراء الاقتصاد والحكامة على أن اقتصاد الريع يُعدّ من أكبر العوائق أمام التنمية المستدامة في المغرب، بفعل تأثيراته السلبية على الاستثمار والإنتاجية والمنافسة. فبدلاً من أن تُمنح الفرص للمبادرة والابتكار، يتسبّب الريع في تكديس الثروة والامتيازات بين أيدي جماعات ضيقة، مما يُضعف حيوية النسيج الاقتصادي الوطني ويُقلّص قدرة المقاولات الصغرى والمتوسطة على النفاذ العادل إلى الأسواق والصفقات العمومية.
وتُثبت تقارير وطنية ودولية متطابقة أن الاقتصادات التي تستفحل فيها الامتيازات غير المبررة تعاني من صعوبات جمّة في تحقيق نمو مطرد وخلق فرص شغل لائقة، إذ يتحوّل جزء كبير من الثروة المتداولة إلى ريع غير منتج، بينما تتراجع دوافع الاستثمار القائم على الاستحقاق والوضوح القانوني. وفي هذا السياق، تتصاعد المطالب بالقطع النهائي مع مختلف أشكال الريع والاحتكار، خصوصاً مع تفاقم تحديات البطالة وغلاء المعيشة والفوارق المجالية والاجتماعية التي تستوجب تعبئة كل الموارد المتاحة في خدمة تنمية شاملة.
ويرى متابعون أن الحكومة رفعت، خلال السنوات الأخيرة، شعاراتٍ بارزة تتعلق بتعزيز الشفافية وترسيخ المنافسة النزيهة ومحاربة الفساد، غير أن عدداً من الفاعلين الحقوقيين والمدنيين يصفون تلك الشعارات بالفقاعات، مؤكدين أن الواقع الملموس يكشف استمرار شبكات المصالح المستفيدة من مواقع النفوذ والمُرهِنة لتكافؤ الفرص. ويُثير هذا الاستمرار مخاوف جدية بشأن تآكل ثقة المواطنين في المؤسسات، فضلاً عن تراجع جاذبية الاقتصاد الوطني أمام المستثمرين الباحثين عن بيئة أعمال شفافة وعادلة.
وتكتسب الندوة الصحفية المرتقبة راهنيتها من كونها مناسبة لطرح أسئلة جوهرية حول حصيلة الإصلاحات الرامية إلى الحد من اقتصاد الريع، وتقييم السياسات العمومية المعتمدة في هذا المسار، إلى جانب مناقشة التداعيات المباشرة لاستمرار الامتيازات غير المشروعة على مستقبل الأجيال الصاعدة. وتدفع «ترانسبرانسي المغرب»، من خلال هذه المبادرة، نحو إرساء نموذج تنموي لا يمر إلا عبر التصدي الحازم لكل أشكال الزبونية واستغلال النفوذ، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ولا تنفصل هذه المواجهة المطلوبة مع اقتصاد الريع عن رهان بناء دولة الحق والقانون، إذ لا يمكن الحديث عن تنمية عادلة ومستدامة طالما بقيت الثروة الوطنية مَطيّةً للامتيازات بدلاً من أن تكون قاطرة للاستثمار المنتج وخلق فرص الشغل. وتتحول الندوة بذلك إلى محطة لاختبار مصداقية الخطاب الرسمي حول الحكامة، وإلى فرصة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي على أُسس من الشفافية وتكافؤ الفرص، تعود بالنفع على جميع المغاربة دون استثناء.

تعليقات