رسالة إلى إخوتنا في #كرنفال_أكادير:كيف سمحتم بتقديم بيلماون في صورة أفرغته من رمزيته وهيبته التي لم تتشكل صدفة بل صقلتها ذاكرة أجيال؟

بداية، فنحن لن نعاملكم بالمثل.. مهما تعددت أساليب تشويشكم وتنوعت أشكاله وطرقه، والتي نقولها بملء اليقين، ونحن نستحضر أصالة هذا الموروث وثبات رمزيته في الوجدان.. فلن نلوذ بتآمر الآخرين أو نستظل بأصوات غيرنا، ولن نختار الطريق الأسهل حين يكون الصدق هو الموقف الأصعب والأسمى، وهو المقام الذي لا يبتغي صاحبه فكاكاً..
بل سنخاطبكم بصفاء ما نحن عليه.. وجها لوجه، بكلمة واضحة لا مواربة فيها، وبقول يتجلى في باطنه وظاهره ولا يختبئ خلف أستار التأويل أو إلتواءات التبرير.. إيمانا بأن الحقيقة في جوهرها مستغنية عن الوسطاء، وأن الصادقين يواجهون بالوجه المكشوف، ممتنعين عن خلق من يتوارون خلفه ليواجه الآخرين نيابة عنهم..
ولم نكن أيضاً نرغب في فتح هذا النقاش أو خدش هذا الصمت، لكن حجم الرسائل التي تداعت إلينا وتوصلنا بها من الغيورين، وما خلفته لوعة انتشار مقطع فيديو يُظهر شخصية بيلماون في وضع مهين لا ينسجم مع جوهره وهيبته، ولا يتسق مع رمزيتة المتجذرة في الذاكرة الجماعية، جعلنا نشعر بضرورة قول كلمة تنبع من عمق القلب، كلمة ترفّعت تماما عن مواطن الخصومة أو حسابات المنافسة الضيقة..
فبيلماون، أيها الأصدقاء، بالنسبة لنا كسائر الغيورين ليس مجرد لباس أو لحظة مسرحية فرجوية عابرة كما وصفه البعض، بل هو ذاكرة وهوية وامتداد لروح جماعية تشكلت عبر الزمن، في مجالاتها الأصلية بأحياء الدشيرة الجهادية وإنزكان وآيت ملول، حيث ظل هذا الموروث، رغم تحوله إلى كرنفال دولي في نسخته التاسعة، يقدَّم دائماً في صورة تحفظ هيبته ووقاره، وتصون رمزيته المتجذرة في ذاكرة الأجيال.. ورغم الفارق الشاسع في الإمكانيات المالية بيننا وبينكم، وكذا التباين في مستوى النتائج والإبداع والتنظيم وحجم الإشعاع الدولي، فإن ما تحقق بالكرنفال الدولي لإنزكان آيت ملول يظل ثمرة جهد جماعي جهيد لمكونات هذا الاقليم وبإمكانيات محدودة جدا مقارنة بما توفر لكم، وهو ما يجعل القيمة الحقيقية لما أنجزناه أكثر دلالة وعمقا، بعيدا عن منطق المقارنة غير المتكافئة.. وهذا موضوع آخر سنعود إليه بالتفصيل الممل الذي يضع كل ذي مقام في مقامه..
لقد ارتبط بيلماون أيها الأصدقاء في الوجدان الجماعي بهيبة راسخة وغموض منظم وفرجة ذات معنى، لا كصورة عابرة أو مشهد منفلت من أصالته، بل كتعبير ثقافي عميق تشكل عبر الزمن، حاملا قصته الوجدانية الخاصة مستمدا قيمته من توازنه الدقيق بين الرمز والذاكرة والهوية.. وحين يقدم هذا الموروث في مشهد مهين لا يعكس هذا العمق ولا يفي لثقله، فإن الأثر السيء لا يقف عند حدود صورة مسيئة أو فيديو عابر في الفضاء الرقمي، بل يتجاوز ذلك ليصبح خدشا غائرا في وجه تراث ترقى في مقامات الاحترام والوقار والتقدير، وترسخ في الوجدان الجماعي باعتباره أكثر من مجرد استعراض، بل جزءا لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية المشتركة..
إن هذا الموروث في مجاله الأصلي التاريخي أصدقائي.. لم يكن يوما سائباً خارج الضوابط، بل ظل يقدم وفق ميثاق غير مكتوب قوامه احترام الرمزية، وصون المعنى، والحفاظ على الهيبة التي تميزه.. وفي هذا الإطار، فإن مسؤوليتنا جميعا، أيا كانت المواقع، هي أن نحميه من أي تمثيل قد يخرجه عن رسائله الأصيلة أو يضعف من قيمته في الذاكرة والوجدان..
وإننا لنعجب كيف سمحتم بمرور مشاهد لم تسيء لشخصية بيلماون ورمزيته فحسب، بل مست أصالة العيش المشترك في بلدنا، وأساءت بجهل أو غفلة لمكون وطني تاريخي وراسخ في هويتنا الأمازيغية المغربية، وهو المكوّن اليهودي المغربي، الذي طالما كان جزءاً لا يتجزأ من نسيج هذه الأرض، وحاضرا في وجدان الذاكرة الجماعية المشتركة..
وفي المقابل، فإن هذا التراث نفسه ظل عبر سنين وأزمان فضاء جامعا لقيم التعايش والانفتاح والاحترام المتبادل بين مختلف الروافد الدينية والثقافية، حيث يتم تجسيد كل المكونات في إطار من الاحترام المتبادل وصون الذاكرة المشتركة، بما يجعل من بيلماون رمزاً لهوية غنية ومتعددة، لا تختزل في صورة أو مشهد، بل في عمق تاريخ مشترك قائم على التعدد والانسجام..
وعليه، فإن صون هذا الموروث مسؤولية جماعية لا تقبل التهاون، تقتضي وعيا راسخا بعمقه الثقافي، واحتراما صادقا لرمزيته، والتزامًا بتقديمه بما يليق بتاريخه ومكانته، بعيدًا عن كل ما قد يفرغه من قيمته أو يسيء إلى صورته المتجذرة في الوجدان الجماعي.
ونذكرم أيها الأصدقاء بأن الإقدام على استلهام أو نقل تجربة الكرنفال خارج مجالاتها الأصلية ليس خيارًا تقنيا أو تنظيميا فحسب، بل خيار يحمّل أصحابه مسؤولية أخلاقية كاملة الأركان.. مسؤولية تفرض التحلي بالدقة والوعي، وتستلزم الحفاظ على الجوهر قبل الشكل، وعلى المعنى قبل العرض، حتى لا يتحول الاجتهاد إلى انزلاق، ولا التقديم إلى مساس بما هو أعمق من مجرد فرجة..
إن إصراركم على إعادة تقديم هذا الموروث خارج مجاله الأصلي والتاريخي، يضعكم اليوم أمام مسؤولية جسيمة، ليس فقط أمام الذاكرة الجماعية، بل أمام التاريخ ذاته.. فأنتم مطالبون بأن تكونوا في مستوى هذه الأمانة، وأن تدركوا جيدًا أن الموروث الثقافي ليس مادة للتجريب أو التوظيف الظرفي، بل هو رصيد رمزي متراكم، تشكل عبر أجيال، وحملته الذاكرة الشعبية الجماعية بكل ما فيه من دلالات وهيبة ومعنى..
وإن أي خروج عن حدوده الرمزية، أو إعادة صياغته خارج سياقه، لا يمكن اعتباره مجرد اختلاف في الرؤية، بل قد يُعد إخلالًا صريحًا بمسؤولية الحفاظ على إرث لا يخص جيلًا بعينه، بل يمتد عبر الأجيال، ويُشكّل جزءًا من هوية جماعية لا تقبل التفريط أو التشويه .. والسلام.
أنوار الهادي
رئيس مؤسسة الكرنفال الدولي لإنزكان آيت ملول

تعليقات