آخر الأخبار

حزب الاستقلال يبرر رفضه لتسقيف المحروقات وسط تساؤلات حول تناقض المواقف

أثار البلاغ الصادر عن حزب الاستقلال بخصوص عدم التصويت على مقترح قانون يتعلق بتسقيف أسعار المحروقات، جدلاً سياسياً جديداً حول حدود التزام الأحزاب بتعهداتها المعلنة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس بشكل مباشر القدرة الشرائية للمواطنين.

ففي الوقت الذي حاول فيه الحزب تبرير موقفه بالتمييز بين “تسقيف الأسعار” و“تسقيف هوامش الأرباح”، وربط أي تدخل مباشر في الأسعار بكونه قد يعيد نظام المقاصة أو يهدد توازنات مالية الدولة، يبرز سؤال جوهري حول مدى انسجام هذا الموقف مع خطابه السابق، الذي كان يؤكد في أكثر من مناسبة على ضرورة ضبط الأسعار وحماية المستهلك، بل وذهب إلى حد دعم فكرة تسقيف الأسعار أو تأميم “لاسامير” في خرجاته السياسية.

هذا التباين بين الخطاب والتصويت يطرح إشكالاً واضحاً: كيف لحزب كان من بين أبرز من تبنوا خطاب حماية المواطن من غلاء المحروقات أن يتراجع عن دعم مقترح يندرج في صميم هذا التوجه؟ وهل يتعلق الأمر بتطور في الرؤية أم بتناقض في الممارسة السياسية؟

من جهة أخرى، فإن الاكتفاء بتقديم مبررات مرتبطة بتقلبات السوق العالمية أو مخاطر العودة إلى المقاصة، لا يبدو كافياً لتفسير رفض مقترح يهدف أساساً إلى تنظيم السوق الداخلية وضبط الأرباح غير المبررة. فالنقاش، كما يطرحه عدد من الفاعلين، لا يتعلق بالعودة إلى دعم شامل للوقود، بل بإيجاد آليات تنظيمية مرنة تضمن عدم انفلات الأسعار في ظل غياب منافسة حقيقية.

كما أن الحديث عن تسقيف هوامش الربح، رغم كونه طرحاً نظرياً إيجابياً، يثير بدوره سؤالاً عملياً بسيطاً لكنه جوهري: لماذا لم يتم تفعيله بشكل فعلي خلال سنوات المشاركة في تدبير الشأن العام؟ فالمواطن، في نهاية المطاف، لا يقيس السياسات بالخطاب، بل بالأثر الملموس على الأسعار في محطات الوقود وعلى ميزانية الأسر.

في السياق ذاته، فإن محاولة اختزال كل انتقاد في كونه “توظيفاً انتخابياً” أو “حسابات سياسية ضيقة”، لا تقدم إجابة مقنعة عن الإشكال الأساسي، خاصة أن ملف المحروقات في المغرب ظل محل نقاش واسع، وسط تقارير وملاحظات تحدثت عن وجود اختلالات في المنافسة وفوارق غير مبررة بين الأسعار الدولية والمحلية.

كما أن تحميل أطراف سياسية أخرى مسؤولية قرار تحرير الأسعار لا يعفي أي حزب يوجد اليوم في موقع التدبير من مسؤوليته الحالية في تقديم حلول عملية، بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج سجالات الماضي. فالمعايير السياسية الحديثة تقوم على قياس الأداء لا على تبادل الاتهامات.

ويظل المواطن في نهاية هذا النقاش هو الحلقة الأضعف، إذ لا يعنيه من يتحمل مسؤولية القرار بقدر ما يعنيه أن تنعكس السياسات على حياته اليومية بشكل عادل ومنصف، عبر أسعار مستقرة أو على الأقل خاضعة لمنطق واضح وشفاف.

أما المفارقة الأبرز، فهي أن الخطاب الحزبي للأمانة العامة لحزب الاستقلال ظل في أكثر من محطة يرفع شعارات واضحة بخصوص تسقيف أسعار المحروقات وحتى تأميم شركة “لاسامير”، قبل أن يظهر موقف مختلف عند لحظة التصويت، ما يطرح تساؤلات حول مدى اتساق الموقف السياسي مع القرار الفعلي داخل المؤسسات التشريعية.

هذا التباين بين القول والفعل يعمق الإحساس بوجود ازدواجية في الخطاب السياسي، ويضع علامات استفهام حول مدى استعداد الفاعل الحزبي لتحمل مسؤولية اختياراته عندما تتحول الشعارات إلى قرارات ملزمة.

المقال التالي