“عفوٌ مشروط وتنمية وتأهيل مهني”.. مبادرة أمريكية لإنهاء نزاع الصحراء

دعا مركز «منتدى الشرق الأوسط» الأمريكي المملكةَ المغربية إلى استثمار حالة الترهل القيادي والضربات الجوية التي تلقّتها جبهة «البوليساريو»، عبر طرح مبادرة غير مسبوقة تقوم على عفو مشروط، وحزمة من الحوافز الاقتصادية وبرامج التأهيل المهني، لفائدة المقاتلين من الرتب المتوسطة والدنيا ممن يُلقون السلاح ويقبلون بمقترح الحكم الذاتي.
جاء ذلك في مقال تحليلي أصدره المركز قبل ساعات، شدّد فيه على أن الموازين العسكرية والدبلوماسية في نزاع الصحراء قد حُسمت بشكل نهائي وغير قابل للرجوع لصالح المملكة. وأوضح أن الاستهداف الأخير لطائرة مسيّرة مغربية قرب الساتر الدفاعي في السابع من يونيو، والذي أسفر عن مقتل القائد العسكري البارز لحبيب محمد عبد العزيز، نجل زعيم الجبهة الراحل، رفقة عناصر أخرى، كشف بوضوح عن عبثية الطموحات العسكرية للانفصاليين وهشاشة بنيتهم القيادية أمام الترسانة الدفاعية للمملكة.
وأبرز التقرير أن التفاوت العسكري الكبير بات عاملاً حاسماً في المنطقة؛ إذ يمتلك المغرب تفوقاً تكنولوجياً نوعياً عبر تشغيل أسطول متطور يضم ما لا يقل عن 13 طائرة مسيّرة تركية من طراز «بيرقدار TB2»، إلى جانب دخول طرازات «أكينجي» الخدمةَ، واعتماد منصات مراقبة صينية، وطائرات مسيّرة انتحارية، وأنظمة استهداف إسرائيلية متكاملة من طراز «بلو بيرد إيرو سيستمز» جرى الحصول عليها عقب اتفاقيات أبراهام. في المقابل، تفتقر جبهة «البوليساريو» ـ التي وصفها التقرير بالفصيل الوكيل للجزائر منذ السبعينيات ـ إلى أي دفاعات جوية فعّالة.
وعلى المستوى الإنساني والديموغرافي، فكّك التحليل ما وصفه بـ«أكاذيب المخيمات»، مشيراً إلى أن الإحصاءات الحديثة والتقديرات المستقلة تفنّد ادعاءات الجزائر والجبهة بوجود 165 ألف لاجئ، مؤكداً أن العدد الحقيقي لا يتجاوز ما بين 40 و60 ألف شخص فقط، يعيشون تحت قبضة حديدية في تندوف لخدمة مصالح سياسية بحتة. واستحضر المركز في هذا السياق تحقيقات مكتب مكافحة الاحتيال الأوروبي لسنة 2007، التي وثّقت اختلاس المساعدات الإنسانية. وتتزامن هذه العزلة مع طفرة تنموية واقتصادية هائلة تشهدها الأقاليم الجنوبية للمغرب في العيون والداخلة، مستفيدةً من استثمارات البنية التحتية وعائدات الفوسفاط؛ حيث يضم موقع «بوكراع» أطول سير ناقل في العالم لإنتاج ما يصل إلى 3 ملايين طن سنوياً.
ويوازي هذا الزخمَ التنموي انقلابٌ حاسم في الموازين الدبلوماسية الدولية؛ بدأ باعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على صحرائه سنة 2020، تلاه تأييد قوى كبرى كفرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة لخطة الحكم الذاتي لعام 2007 باعتبارها الإطار الواقعي الوحيد، وصولاً إلى قرار مجلس الأمن الدولي لسنة 2025 الذي أيّد الحكم الذاتي، وافتتاح نحو 30 دولة لقنصلياتها بالأقاليم الجنوبية. وحثّ المركز الولايات المتحدة والجهات المانحة على الضغط لإنهاء الوضع القائم في مخيمات تندوف، وحل بعثة «المينورسو» التي تجاوزتها مسارات الأمم المتحدة ذاتها.
وبهذا تتّضح ملامح مرحلة جديدة في مسار النزاع، لم يعد فيها الرهان على التصعيد العسكري أو المماطلة الدبلوماسية مجدياً لأي طرف. فالمبادرة التي يطرحها مركز «منتدى الشرق الأوسط» ليست مجرد دعوة للتسوية، بل قراءة استراتيجية تُقرّ بأن النافذة التي تتيح حلاً منظّماً وكريماً لمقاتلي الجبهة آخذةٌ في الضيق، وأن المغرب يملك اليوم من أوراق القوة ما يجعل مبادرته الإنسانية فرصةً حقيقية لا تكتيكاً عابراً.

تعليقات