آخر الأخبار

“مازال ما عنديش دار”.. مغاربة يواجهون تصريح وزيرة الإسكان المنصوري بواقع الأرقام والسخرية

لم تكد وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري، تفرغ من تصريحها التلفزيوني حتى انقلبت منصات التواصل الاجتماعي إلى حلبة نقاش حاد. ففي الوقت الذي أكدت فيه أن «أغلب الشباب دون الثلاثين من العمر باتوا يمتلكون مساكنهم بفضل دعم الحكومة»، كان آلاف المغاربة يقلّبون شاشات هواتفهم بحثاً عن واقع يليق بهذا التفاؤل الرسمي، فلم يجدوا غير أسعار ملتهبة وأجور متواضعة تصدّ أحلامهم في التملك.

وتفجّرت الموجة الغاضبة منذ الثلاثاء الماضي ولا تزال تتصاعد حتى لحظة كتابة هذه السطور، بوتيرة لم تشهدها تفاعلات برنامج الدعم المباشر للسكن منذ إطلاقه، إذ انقسمت التعليقات بين ساخر وناقد، غير أنها التقت جميعاً عند جملة واحدة اختزلت المشهد برمّته، حين كتبت إحدى المعلّقات: «أنا على راسي مازال ما عنديش دار، اللي دار الدار من الدعم يرفع صبعو». حملت العبارة في طياتها استفهاماً جماعياً موجعاً حول الجدوى الحقيقية لبرنامج يُفترض أن يُقرّب المسافة بين الشباب ومفتاح المنزل الأول.

ولم يقتصر النقد على البعد المعيشي المباشر، بل امتدّ ليطال آليات اشتغال السوق العقارية في ظل ضخ الدعم العمومي. وشدّدت المعلّقة ذاتها على ما وصفته بغياب الرقابة، ملمّحةً إلى أن جزءاً من هذا الدعم تسرّب إلى هوامش أرباح المنعشين العقاريين، فانعكس ارتفاعاً في أسعار الشقق بدل أن يُخفّضها. ورأت أن جودة البناء باتت لا تساير هذه الأثمان، في مفارقة تزيد العبء ثقلاً على كاهل الراغبين في التملك.

ووسط هذه العاصفة الرقمية المستمرة، برز تعليق آخر ربط التصريح الوزاري بمعطى الدخل وتكاليف التمويل العقاري، إذ أوضح أصحابه أن الحديث عن تمكّن الشباب من اقتناء السكن «لا يعكس واقع شريحة واسعة من المغاربة»، مورِدين أن امتلاك المنزل تحوّل إلى معادلة شائكة تستلزم دخلاً يفوق القدرة الشرائية الراهنة، فضلاً عن تكاليف تمويل بنكي باتت تُثقل كاهل الطبقة المتوسطة وتُبقي فئة الشباب خارج دائرة الحلم السكني.

وتكشف هذه التفاعلات المتواصلة أن الشارع الرقمي لم يعد يكتفي بمنطق الأرقام المجردة التي تسوقها البيانات الحكومية عن عدد المستفيدين ووتيرة الطلبات، بل أعادت هذه الانتقادات فتح نقاش جوهري حول ضرورة ربط الدعم العمومي بآليات ضبط صارمة، تحول دون تسرّبه إلى أسعار العقارات، وتمنع البرنامج من أن يتحوّل إلى عامل إضافي يُذكي فقاعة السكن ويُعمّق الإقصاء بدل أن يعالجه.

ويبرز في خضم هذا الجدل المتصاعد الذي لم يهدأ بعد تناقض صارخ بين روايتين لا تلتقيان؛ فبينما تؤكد الحكومة أن برنامج الدعم المباشر يمضي قُدُماً نحو أهدافه محقّقاً أرقاماً قياسية في الاستفادة، يطالب متابعون وخبراء بتقييم شامل لا يكتفي بعدّ الطلبات، بل ينكبّ على قياس الأثر الفعلي في القدرة الشرائية للمواطنين، ويتفحّص انعكاسات الدعم على حركة الأسعار في السوق العقارية برمّتها.

المقال التالي