آخر الأخبار

في سابقة من نوعها… افتتاح معرض يضع الثقافة الأمازيغية في الواجهة الأوروبية من قلب التراث العالمي

في قلب الأندلس، حيث تهمس جدران قصر الحمراء بحكايات الماضي، انبثق فضاء ثقافي يعيد الاعتبار لواحدة من أعمق الجذور التي أسهمت في تشكيل هوية المكان. إنه «الفضاء الأمازيغي»، أول متحف من نوعه في أوروبا يُكرّس اهتمامه بالكامل للثقافة الأمازيغية، ليكون شاهداً حياً على إرث ظل حاضراً في تفاصيل التاريخ، وإن غاب طويلاً عن كثير من السرديات الرسمية.

ويحتضن مبنى «كارمن دي لوس بورثيل» اليوم الإثنين، هذا المعرض الاستثنائي، الممتد على مساحة 162 متراً مربعاً، والذي يضم نحو 200 قطعة أثرية تسلط الضوء على التأثير العميق للحضور الأمازيغي في تاريخ الأندلس. ويأتي افتتاح هذا المشروع الطموح تتويجاً لاتفاقية أُبرمت يوم الخميس الماضي بين مجلس إدارة قصر الحمراء ومؤسسة الدكتورة ليلى مزيان، ما يمنح المعرض بعداً رمزياً إضافياً بحكم موقعه داخل فضاء مُدرج ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي.

ويتوزع المسار السردي للمعرض على طابقين، حيث تصحب الأعمال المعروضة الزوار في رحلة بصرية تستكشف الجوانب الفنية والاجتماعية للحياة الأمازيغية عبر العصور. ولا تقتصر المقتنيات على البعد التاريخي فحسب، بل تشمل أيضاً منسوجات تقليدية وخزفيات متقنة الصنع وأدوات يومية قادمة من شمال إفريقيا، لتنسج خيوطاً ثقافية متينة تربط بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط بعيداً عن أي قراءات أو تأويلات سياسية.

كما يحمل هذا المشروع بصمة شخصية بارزة، بعدما أهدى الدبلوماسي خورخي ديثكايار وزوجته تيريزا إيسا مجموعة نفيسة من الحلي الأمازيغية لتكون جزءاً من فضاء العرض. وبالتعاون مع دنيا بنجلون، نائبة رئيسة المؤسسة، ورودريغو رويز خيمينيث كاريرا، المدير العام لهيئة قصر الحمراء، تحولت فكرة المتحف من تصور ثقافي إلى واقع ملموس يليق بقيمة الذاكرة الحضارية التي يمثلها.

ولم تقتصر تجربة المعرض على عرض القطع الأثرية فحسب، بل جرى تصميمها وفق مقاربة تفاعلية متكاملة أشرفت عليها شركة «Acciona Cultura»، حيث تتداخل الوسائط البصرية مع الخرائط التاريخية والمحتوى السمعي البصري لتقديم تجربة معرفية غنية. ويمنح هذا التوظيف المتقن للمحتوى الزائر فهماً أعمق للسياقات التاريخية والثقافية للمجموعات المعروضة، كما يفتح نافذة واسعة على تعبيرات حضارية أمازيغية ظلت تنبض في وجدان المجتمع الأندلسي على امتداد قرون.

المقال التالي