آخر الأخبار

بين تبخيس المعارضة ورفض الإنصات للمواطنين.. كيف ورّطت تصريحات شوكي حزب الأحرار؟

تواجه الخرجة الإعلامية الأخيرة لمحمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، قراءات نقدية حادة تعتبر أن خطاب الجاهزية المبكرة يعكس قدراً من الاستعلاء السياسي. ورغم محاولات الرجل التأكيد على ممارسته لمهامه القيادية بكامل الصلاحيات المخولة له منذ انتخابه خلفاً لعزيز أخنوش، فإن نبرة تصريحاته الأخيرة أثارت جدلاً واسعاً، واعتبرها متتبعون مؤشراً على ضيق الأفق التشاركي، ومحاولة للتغطية على غياب بدائل حقيقية قادرة على إحداث قطيعة مع نمط التسيير السابق.

وتعكس المواقف المعبر عنها أزمة واضحة في استيعاب مفهوم الديمقراطية التشاركية، وفي الانفتاح على القواعد الشعبية عند بناء البرامج السياسية. وجاءت تصريحات رئيس الحزب، خلال حلوله ضيفاً على برنامج تلفزيوني بثته القناة الثانية مساء يوم الأربعاء، لتكرس هذا التوجه، حيث حصر ممارسة مسؤولياته في نطاق ضيق حدده النظام الداخلي، وهو ما فُسِّر من قبل نقاد بأنه عجز بنيوي عن قيادة قاطرة الحزب بعيداً عن كواليس التوجيه والوصاية التنظيمية.

وفي سياق يصفه فاعلون سياسيون بمغالاة غير مبررة في الثقة، ادعى رئيس الحزب أن تنظيمه مستغنٍ تماماً عن فتح أي منصات لاستقبال أفكار المواطنين أو صياغة برامج انتخابية جديدة. وتكشف هذه الرؤية عن عقلية تنظيمية مكتفية بذاتها، تفترض امتلاك إجابات جاهزة لكل الإشكالات المجتمعية، مع تجاهل التحولات السريعة وحاجة الشارع إلى قنوات إنصات حقيقية وديناميكية، بدل الاكتفاء باستنساخ برامج قديمة لم تعد تواكب الانتظارات المتزايدة.

وقد تجسد هذا الارتباك الخطابي في الهجوم المباشر على المبادرات التشاركية التي أطلقتها أحزاب المعارضة، وفي مقدمتها حزب العدالة والتنمية الذي فتح منصات لاستقطاب مقترحات المواطنين. وسعى شوكي من خلال تصريحاته إلى تبخيس هذا الجهد التفاعلي ووصفه بالعبثي، في محاولة لشرعنة جمود الآليات التواصلية داخل حزبه، وهو ما وضع «الأحرار» أمام صورة حزب يميل إلى الانغلاق ويرفض تجديد أدواته الفكرية أو الاعتراف بضرورة إشراك القوى الحية في صناعة القرار.

أما على مستوى التبعية القيادية، فقد عمقت تصريحات شوكي التساؤلات حول استقلالية القرار الحزبي، بعدما قلل بشكل لافت من الانتقادات التي تصف التنظيم بأنه امتداد مباشر لشخص رئيس الحكومة عزيز أخنوش. ويرى متتبعون للشأن الحزبي أن الاستخفاف بهذا الربط أو عدم إبداء الانزعاج منه يضعف فرضية البناء المؤسساتي المستقل، ويوجه رسالة سياسية مفادها أن الحزب يستند بالأساس إلى النفوذ الشخصي والمالي لقيادته، أكثر مما يستند إلى هوية سياسية متجذرة في القواعد.

إن تبرير هذا المسار تحت شعار إعادة الهيكلة وتعزيز الحكامة الداخلية يعكس في العمق أزمة نخب تعيشها تجربة التجمع الوطني للأحرار في مرحلتها الحالية. ويبدو أن القيادة، بدل تقديم أطروحات متجددة تواكب التحولات السياسية والاجتماعية، تفضل الاحتماء بمنجزات المرحلة السابقة، ما يجعل شعار الجاهزية الانتخابية أمام اختبار حقيقي، تتداخل فيه الأسئلة حول المصداقية والقدرة على تجديد العرض السياسي خارج منطق الأرقام والشعارات المغلقة.

المقال التالي