البطالة والتعليم والصحة… تقرير يرسم صورة قاتمة لحصيلة النموذج التنموي

كشف تقرير حديث صادر عن مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي عن صورة مركبة وحادة لحصيلة خمس سنوات من تنزيل النموذج التنموي الجديد، مؤكدا وجود فجوة واضحة بين حجم الإصلاحات المعلنة منذ 2021 وبين أثرها الفعلي على حياة المواطنين، في ظل استمرار اختلالات بنيوية تعرقل تحقيق التحول المنشود نحو “مغرب أكثر عدالة وتنافسية”.
وأوضح التقرير أن الدولة أطلقت خلال هذه المرحلة أوراشا واسعة شملت الحماية الاجتماعية والاستثمار والتعليم والصحة، غير أن انعكاسها ظل محدودا على مؤشرات التشغيل والدخل وجودة الخدمات العمومية، ما يعيد طرح سؤال الفعالية والنجاعة في تحويل السياسات إلى نتائج ملموسة.
ورغم الرهان على تحقيق نمو يفوق 6 في المائة سنويا، يؤكد التقرير أن الاقتصاد الوطني ظل محصورا بين 3 و4 في المائة، متأثرا بالجفاف والأزمات العالمية، لكن أيضا بضعف الإنتاجية وبطء الانتقال نحو اقتصاد تنافسي قائم على المعرفة، وهو ما يجعل، حسب التقرير، النمو الحالي غير قادر على إحداث التحول الاجتماعي المطلوب.
وفي سوق الشغل، رصد التقرير استمرار الضغط الاجتماعي، حيث بلغ معدل البطالة حوالي 13 في المائة سنة 2025، مع تجاوز عدد العاطلين 1.6 مليون شخص، وارتفاع مقلق في صفوف الشباب وخريجي الجامعات، كما أن عددا مهما من فرص الشغل المحدثة يظل هشا ومحدود الأثر من حيث الاستقرار والدخل.
وفي قطاع التعليم، يسجل التقرير استمرار تعثر الإصلاحات، مع نتائج متدنية في التقييمات الدولية، وضعف حاد في الكفايات الأساسية، واستمرار نزيف الهدر المدرسي بمئات الآلاف سنويا.
وبخصوص الصحة، فرغم تعميم التغطية، فإن الخصاص في الموارد البشرية وضعف جودة الخدمات يعمّقان الفجوة بين الحق في العلاج والواقع الفعلي، خصوصا في العالم القروي.
ويبرز التقرير استمرار تركّز الثروة في ثلاث جهات كبرى تستحوذ على أكثر من نصف الناتج الداخلي، مقابل تهميش مجالات واسعة من البلاد، مع بقاء نسب الفقر والهشاشة مرتفعة في الوسط القروي، واستمرار تفاوتات صارخة في الدخل والتعليم.
ويشير التقرير إلى تصاعد المقاربة التكنوقراطية في تدبير السياسات العمومية، مقابل تراجع الوساطة السياسية، ما ساهم في اتساع فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات،كما أعاد فتح ملف الريع والاحتكار في قطاعات استراتيجية، وعلى رأسها المحروقات والدعم العمومي، وسط انتقادات متزايدة لضعف الشفافية والحكامة.
هذا،فان التحدي الحقيقي حسب التقرير لم يعد في إطلاق البرامج أو حجم الاستثمارات، بل في قدرتها على إنتاج أثر اجتماعي مباشر، وتقليص الفوارق، وخلق فرص شغل حقيقية، واستعادة الثقة في مسار التنمية، وإلا فإن النموذج التنموي الجديد سيظل، حسب تعبيره، “مشروعا طموحا بنتائج دون مستوى الانتظارات”.

تعليقات