آخر الأخبار

البكالوريا تتحول إلى ساحة نقاش سياسي بعد تضمين موضوع “العزوف السياسي” في ورقة الامتحان (وثيقة)

لم تكن ورقة امتحان مادة اللغة العربية في امتحانات البكالوريا هذه السنة مجرد محطة تقويمية عادية، إذ سرعان ما تحولت إلى موضوع نقاش واسع امتد من الفضاءات التربوية إلى المنصات الرقمية، بعد تضمين نص يتناول ظاهرة «العزوف عن التصويت». هذا المعطى أعاد طرح أسئلة حساسة حول حدود حضور القضايا السياسية داخل الامتحانات الإشهادية، وحول طبيعة التوازن المطلوب بين البعد البيداغوجي والسياقات المجتمعية.

ومع انتشار صور ورقة الامتحان على مواقع التواصل الاجتماعي، تصاعدت ردود الفعل المتباينة، حيث اعتبر عدد من المعلقين والفاعلين التربويين أن اختيار موضوع مرتبط بالمشاركة الانتخابية يخرج عن الإطار التقويمي الصرف، ويفتح الباب أمام قراءات قد تُفهم باعتبارها توجيهاً غير مباشر للمتعلمين. ويرى هؤلاء أن الامتحان، في جوهره، ينبغي أن يظل أداة لقياس الكفايات اللغوية والتحليلية دون أن يتأثر بقضايا ذات حمولة سياسية مباشرة.

وفي السياق ذاته، وجهت انتقادات إلى وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، التي يشرف عليها الوزير محمد سعد برادة، حيث اعتبر منتقدون أن إدراج نص من هذا النوع داخل امتحان وطني قد يمس بمبدأ الحياد الذي يفترض أن يطبع المدرسة العمومية. ويستند هذا الطرح إلى ضرورة تحصين الفضاء التربوي من أي توظيف قد يُفهم منه الانحياز أو التأثير في مواقف التلاميذ.

في المقابل، دافعت أطراف أخرى عن هذا الاختيار، معتبرة أن إدراج قضايا مجتمعية في الامتحانات ليس أمراً جديداً، بل يدخل ضمن مقاربة تعليمية تهدف إلى قياس قدرة التلميذ على الفهم والتحليل والنقد. ووفق هذا التصور، فإن النصوص المعتمدة تُقدم باعتبارها مواد لغوية وفكرية، وليس كرسائل موجهة لفرض مواقف أو تبني توجهات بعينها، ما دام التعامل معها يتم ضمن إطار منهجي واضح.

ورغم هذا التباين في الرؤى، تصاعدت الدعوات المطالِبة بتوضيحات رسمية حول معايير اختيار مواضيع الامتحانات الإشهادية، والضوابط المعتمدة في انتقاء النصوص ذات الحساسية المجتمعية. ويعتبر أصحاب هذا الاتجاه أن غياب تواصل مؤسساتي واضح قد يساهم في تعميق الجدل وفتح المجال أمام تأويلات متناقضة تمس ثقة الرأي العام في المنظومة التعليمية.

وفي خلفية هذا النقاش، يعود إلى الواجهة سؤال العلاقة بين المدرسة والسياسة، وحدود حضور القضايا العامة داخل الفضاء التربوي. فبين من يرى أن تكوين المواطن يقتضي الانفتاح على الإشكالات المجتمعية، ومن يعتبر أن هذا الانفتاح يجب أن يظل مضبوطاً بدقة حتى لا يتحول إلى أداة تأثير غير مباشر، يستمر الجدل حول الخط الفاصل بين التربية والتوجيه.

ويعكس هذا السجال في عمقه إشكالية أوسع تتعلق بفلسفة إعداد الامتحانات الوطنية، وبمدى قدرة المؤسسة التعليمية على الحفاظ على توازن دقيق بين الانفتاح على الواقع المجتمعي وصون حيادها المؤسساتي، في سياق تتزايد فيه حساسية النقاش حول المدرسة ودورها داخل المجتمع.

المقال التالي