آخر الأخبار

أزمة معايير لا أزمة جودة.. لماذا تفاجئ نتائج التدقيق الفندقي الجديد خبراء القطاع؟

تكشف أولى الزيارات السرية التي أجرتها شركات التدقيق في إطار منظومة التصنيف الفندقي الجديدة بالمغرب أن الإشكالية تتمحور في جوهرها حول آليات التقييم ذاتها، لا حول مستوى المؤسسات الفندقية المُراقَبة، وهو ما يضع المنظومة بأكملها أمام اختبار حقيقي قبل أن تبلغ نضجها الكامل وتتحول إلى أداة ضبط فعّالة ومعبرة عن واقع الميدان.

وفي هذا السياق، تتولى شركة «أدونيو» الفرنسية المتخصصة في التدقيق الفندقي إجراء عمليات التفتيش ذات الأولوية في مرحلة انتقالية، ريثما تباشر الشركات الأربع التي اختارتها الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات السياحية مهامها رسمياً. وقد سبق لهذه الشركة الفرنسية أن أجرت نحو 900 زيارة تجريبية في فنادق تتراوح بين ثلاث نجوم والفئة الفاخرة، وذلك بتكليف من وزارة السياحة وبدعم من المنظمة العالمية للسياحة، بهدف اختبار معايير التقييم وقياس مصداقيتها وملاءمتها للواقع الميداني قبل تعميمها.

ويرتكز هذا النظام الجديد على منظومة تضم نحو 400 معيار تقييمي، تُدمج بياناتها عبر أدوات معلوماتية متخصصة، في إطار خطة شاملة تشمل 2500 زيارة سرية. وحسب مصادر مهنية تحدثت معها «مغرب تايمز»، فإن الصعوبات المرصودة حتى الآن تتعلق أساساً بتحليل البيانات ومعالجة النتائج، لا بواقع المؤسسات الفندقية في حد ذاته، كما تلفت المصادر ذاتها إلى أن بعض التقييمات أسفرت عن استنتاجات وُصفت بالمفاجئة قياساً بما هو ملموس على أرض الواقع، مُلخِّصة الوضع بالقول إن «النتائج ليست إيجابية أو سلبية بالضرورة، لكنها لا تتطابق دائماً مع ما يتوقعه المدققون».

وتقابل هذه الفجوة الرقمية على أرض الواقع هشاشات بنيوية تمتد داخل القطاع الفندقي المغربي لتطال الموارد البشرية بالقدر ذاته الذي تطال فيه البنى التحتية؛ فسنوات من غياب الالتزام بالنتائج وضعف الرقابة الإدارية دفعت بعض المشغلين إلى تأجيل الاستثمارات الضرورية، ما أدى إلى تراجع ملموس في تحديث منشآتهم. ومن أبرز المؤشرات الميدانية التي يستشهد بها الخبراء في هذا الصدد ظاهرة مخاطبة النزلاء بصيغة المفرد حتى داخل الفنادق الراقية، وهو سلوك يعكس خللاً عميقاً في التأطير يتجاوز مجرد الحاجة العابرة إلى التكوين.

لذلك، يُجمع المختصون على أن التحدي الأعمق لا يكمن في تأهيل الكوادر البشرية فقط، بل في ديمومة المعايير واستدامتها، إذ تُظهر التجارب الميدانية أن مستوى الخدمة يرتفع عادةً مباشرة بعد دورات التكوين، قبل أن تعود تدريجياً بعض الممارسات غير المرغوب فيها. ويؤكد الخبراء في هذا السياق أن النزيل الذي يدفع السعر نفسه يومياً يستحق جودة ثابتة لا تتذبذب، لا سيما في الفنادق المصنفة وفي القطاع الفاخر على وجه الخصوص. كما يبرز تحدٍّ آخر يتعلق بضرورة تكوين المدققين الدوليين على الخصوصيات المحلية، إذ إن معايير التصنيف مرتبطة أساساً بالصورة التي تسعى كل وجهة سياحية إلى إيصالها، ولا يمكن استنساخها آلياً من النماذج الفرنسية أو الأمريكية.

وإزاء هذه التحديات، يتضمن الجدول الزمني للمنظومة الجديدة آجالاً قصيرة نسبياً تُمكّن المؤسسات الفندقية من تلقي أول نتائجها والشروع في اتخاذ إجراءات تصحيحية ملموسة، وذلك في سياق مسار تدقيق شامل يمتد على 18 شهراً. ورغم أن تحقيق الفاعلية الكاملة للمنظومة يستلزم بعض الوقت لتأهيل الفرق وضبط أدوات التقييم وتمكين مختلف الأطراف من استيعاب المعايير المعتمدة، فإن الرهان الحقيقي يظل معقوداً على ضمان اشتغال سلسلة التقييم بأكملها بمستوى واحد من الكفاءة والانسجام.

إن هذا التباين الصارخ بين قوالب التقييم الجاهزة وخصوصية الميدان يضع الوزارة الوصية أمام حتمية مراجعة هذه «الرادارات الجافة» التي تقيس الأرقام وتغفل الروح الحقيقية للضيافة المغربية؛ إذ لا يمكن لـ 400 معيار مستورد صيغت بعقليات غربية أن تصف بدقة صناعة سياحية محلية تتغذى على الاستثمار البشري واللمسة الإنسانية. وعوض أن تدفع هذه المنظومة أرباب الفنادق إلى الإبداع وتطوير الخدمات، قد تحولهم إلى مجرد تقنيين يلهثون وراء استيفاء خانات رقمية باردة للاحتفاظ بنجومهم، مما يهدد بتنميط المنتج السياحي الوطني وإفراغه من هويته التنافسية في سوق دولية لا ترحم النسخ المقلدة.

المقال التالي