آخر الأخبار

صفقات “على المقاس” في آيت ملول.. معطيات خطيرة حول تلاعبات محتملة في الصفقات العمومية

في تقرير حديث للمجلس الجهوي للحسابات بجهة سوس ماسة، برزت معطيات مقلقة بشأن تدبير عدد من الصفقات العمومية بجماعة آيت ملول خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2018 و2024، حيث سجل قضاة المجلس اختلالات في إعداد وتتبع وتنفيذ عدد من المشاريع، مع الإشارة إلى مؤشرات تثير شبهة تبديد المال العام، ما يطرح مجددا مسألة تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وأوضح التقرير أن مجموعة من صفقات الصيانة الاعتيادية التي تشرف على إعدادها المصلحة التقنية للجماعة عرفت نقائص على مستوى تحديد الكميات التقديرية للأشغال، الأمر الذي أدى إلى مراجعة قيم بعض الصفقات وتأخير تنفيذها. ومن بين الأمثلة التي أوردها التقرير، الصفقة رقم 2023/08 المتعلقة بتهيئة عدد من الطرقات، والتي ارتفعت قيمتها بأكثر من 1,1 مليون درهم، أي بنسبة قاربت 10 في المائة، بسبب عدم ضبط الكميات التقديرية بشكل دقيق وفق المحاور الطرقية المستهدفة بالأشغال.

كما سجل التقرير زيادة في قيمة الصفقة رقم 2022/02 الخاصة بتغيير العشب الاصطناعي للملعب الجماعي، حيث انتقلت من حوالي 1,63 مليون درهم إلى أكثر من 1,75 مليون درهم، بنسبة بلغت 7 في المائة، رغم أن الأشغال الإضافية شملت مكونات ترتبط أساسا بأبعاد الملعب المحددة سلفا، وهو ما تسبب بدوره في تأجيل إنجاز المشروع.

واعتبر المجلس أن التغييرات المتكررة في الكميات التقديرية تؤثر على التوازن المالي للصفقات وتحول دون اختيار العرض الأقل كلفة، كما أن اللجوء إلى أشغال إضافية غير متوقعة بشكل مسبق يشكل إخلالا بمبادئ المنافسة والشفافية وتكافؤ الفرص في مجال الصفقات العمومية.

وسجل التقرير كذلك تفاوتا كبيرا في أثمنة بعض الأشغال، مستشهدا بطلب العروض رقم 2023/04 المتعلق بهدم أقواس آيلة للسقوط، حيث تم اعتماد ثمن تقديري بلغ 1700 درهم للمتر الطولي دون احتساب الرسوم، في حين أن طبيعة الأشغال لا تبرر، بحسب التقرير، سعرا يتجاوز 600 درهم للمتر الطولي. كما تبين أن إحدى المقاولات المشاركة في الصفقة نفسها سبق أن أنجزت أشغالا مماثلة لفائدة الجماعة بثمن لم يتجاوز 195 درهما للمتر الطولي.

وأشار التقرير إلى أن أشغال هدم 800 متر من الأقواس كلفت الجماعة 187 ألفا و200 درهم، بينما بلغت كلفة هدم 350 مترا فقط ما مجموعه 756 ألف درهم، وهو ما أثار تساؤلات بشأن معايير احتساب الكلفة والجدوى المالية لهذه العمليات.

وفي جانب آخر، رصد المجلس معطيات تتعلق بإقصاء بعض المقاولات من المنافسة على صفقات الجماعة استنادا إلى مبررات اعتبرها غير كافية. فقد تم استبعاد إحدى المقاولات من صفقتين خلال سنة 2019 بدعوى عدم توفرها على مراجع مماثلة، رغم تقديمها وثائق تثبت إنجازها مشاريع مشابهة من حيث طبيعة الأشغال وكلفتها.

كما انتقد التقرير عدم احتفاظ الجماعة بالوثائق المرتبطة بإقصاء المتنافسين، خلافا لما تنص عليه القوانين المنظمة للصفقات العمومية، مشيرا إلى أن بعض أنظمة الاستشارة تنص على إعادة الوثائق التقنية للمتنافسين غير الفائزين بعد إعلان النتائج، وهو ما يحرم أجهزة المراقبة من وثائق أساسية يمكن الرجوع إليها في إطار المراقبة اللاحقة.

وأبرز قضاة المجلس أن عددا من طلبات العروض لم تستقطب سوى متنافس واحد أو اثنين فقط، رغم ارتباطها بأشغال عادية داخل المجال الحضري، وهو ما اعتبر مؤشرا على وجود قيود وشروط تحد من توسيع دائرة المنافسة وتستدعي مراجعة منهجية إعداد دفاتر التحملات.

كما انتقد التقرير اعتماد شروط تقنية إضافية لا يفرضها نظام تصنيف وتأهيل المقاولات، إلى جانب مطالبة بعض المتنافسين بتقديم عينات وتجهيزات كبيرة الحجم، الأمر الذي يشكل عبئا ماليا ولوجستيكيا قد يثني العديد من المقاولات عن المشاركة في الصفقات.

ومن بين الملاحظات التي أثارتها المؤسسة الرقابية أيضا، تسجيل نفقات إضافية تخص أشغالا سبق إنجازها في إطار صفقات سابقة. ففي ما يتعلق بمشروع فضاء الطفل بحي أركانة، أصدرت الجماعة سنة 2023 سند طلب بقيمة تفوق 197 ألف درهم لإنجاز أشغال صيانة كبرى، شملت إصلاح التشققات وصباغة القاعات والواجهة الخارجية وإصلاح الأبواب والنوافذ وتهيئة شبكة الكهرباء.

غير أن التقرير أظهر أن نحو 59 في المائة من هذه الأشغال كانت قد أُنجزت سابقا ضمن صفقة بناء الفضاء سنة 2019 بكلفة قاربت مليون درهم، علما أن التسلم النهائي للمشروع تم سنة 2022، أي قبل نحو سنة واحدة فقط من تسجيل الحاجة إلى تلك الإصلاحات، وهو ما اعتبره المجلس مؤشرا على وجود اختلالات في تتبع الأشغال وتصفية النفقات العمومية.

المقال التالي