560 عاملاً في العراء بمكناس.. مأساة «سيكوميك» المستمرة تبحث عن عدالة غائبة وصوت مسموع

تتصاعد حدة المشهد السياسي والاجتماعي في مدينة مكناس مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، حيث يرسم أنس الأنصاري، رئيس الجمعية المغربية لصناعة النسيج والألبسة، ملامح طموح سياسي واسع تحت راية حزب الأصالة والمعاصرة، في وقت تتواصل فيه، وعلى بعد أمتار قليلة من مكاتبه، معاناة مئات العمال والعاملات الذين أفنوا زهرة أعمارهم داخل معمل «سيكوميك»، قبل أن يجدوا أنفسهم فجأة في العراء.
وعلى أرصفة الشارع العام أمام فندق الريف وسط المدينة، نصب أكثر من 560 عاملاً وعاملة خيامهم المتهالكة، محتمين بأغطية من الكرتون والبلاستيك في مواجهة لاهبة مع صيف حارق وقسوة شتاء قاسٍ، متمسكين باحتجاجهم منذ أن فقدوا مناصب شغلهم سنة 2021. وفي هذا السياق، تكشف خديجة عناني، منسقة اللجنة الوطنية لدعم هذا الملف، أن غالبية المعتصمين من النساء، اللواتي لم يجدن بعد سنوات طويلة من العطاء والكد سوى الطرد الجماعي التعسفي، دون تعويضات قانونية، ودون تغطية صحية، بل وحُرمن حتى من أجور أربعة أشهر كاملة من عرق جبينهن.
ولم تتوقف حدود هذه المأساة عند البطالة القسرية، إذ أضحى هؤلاء العمال يواجهون أمراضاً مزمنة وخطيرة، من بينها السرطان والشلل، في حين فارق بعضهم الحياة في ظروف أليمة نتيجة انقطاع مصادر الدخل وغياب الرعاية الطبية. والأشد مرارة في تفاصيل هذا الملف أن المشغل تملص من أداء مساهماته لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ما حرم الضحايا من كل شبكات الأمان الاجتماعي التي يكفلها القانون، فضلاً عما تشير إليه عناني من تعرض المعتصمين لمضايقات ومحاولات تفريق متكررة، وصلت حد رشهم بمواد وُصفت بالخطيرة على الصحة والسلامة الجسدية.
وفي مقابل هذا السياق الإنساني الموجع، يقدم أنس الأنصاري نفسه للناخبين بوصفه رجل أعمال ناجحاً ساهم في توفير نحو 3500 منصب شغل بالمنطقة، متسلحاً بشهادة هندسية من المدرسة الوطنية العليا لفنون وصناعات النسيج بفرنسا، وعضوية وازنة في المجلس الإداري للاتحاد العام لمقاولات المغرب. وهو طموح لا يتوقف عند العتبة البرلمانية، إذ يتردد اسمه بقوة داخل كواليس «البام» كمرشح محتمل لحقيبة وزارية في قطاع الصناعة، في صورة تختزل مزيجاً من الثقة العالية بالنفس والحسابات السياسية الدقيقة.
غير أن السؤال الحارق الذي يطرحه الشارع المكناسي اليوم لا يتعلق بطبيعة الشهادات أو المسار المهني، بل ينطلق من بعد أخلاقي واضح: كيف يمكن لرجل قاد قطاع النسيج وطنياً وترأس جمعيته الأكثر نفوذاً أن يتجاهل مأساة إنسانية تضرب في عمق هذا القطاع وفي قلبه؟ فرقم معاملات قطاع النسيج يتجاوز اليوم 54 مليار درهم، وشعارات «رؤية 2035» تتردد في مختلف الخطابات الرسمية، بينما عاملات «سيكوميك» يفترشن الكرتون ويلتحفن السماء في قلب الحاضرة الإسماعيلية.
هذا الربط يرفضه الأنصاري جملة وتفصيلاً، مؤكداً في تصريحات خص بها مجلة «جون أفريك» أنه لم يُدِر معمل «سيكوميك» سوى لمدة 15 شهراً فقط، تحديداً بين يونيو 2016 وأكتوبر 2017، أي قبل سنوات من الإغلاق النهائي الذي امتد بين 2017 و2021. ويتمسك بوثائق رسمية يعتبرها دليلاً على براءة ذمته المالية والضريبية والاجتماعية، واصفاً الجهات التي توظف هذا الملف ضده بـ«وسطاء الأزمات» الذين يخلطون، حسب تعبيره، بين المسؤولية المهنية السابقة والمزايدات الانتخابية الراهنة.
غير أن منطق «وسطاء الأزمات» هذا لا يجد صدى لدى عاملات يعددن سنوات اعتصامهن المفتوح أكثر مما يعدن شهوره، ولا لدى منسقة لجنة وطنية ترصد وفيات متتالية في صفوف المحتجين وتفاقم أمراض بلا علاج. واللافت أن هذه اللجنة، التي تشكلت في يوليو 2025، لم تكتف بعرض المظلمة، بل قدمت مقترحات عملية للتسوية استناداً إلى تجارب حكومية سابقة في ملفات مماثلة، دون أن تتلقى سوى صمت من وزارة التشغيل ورئاسة الحكومة.
وتظل هذه المفارقة الصارخة تلخص المشهد في مكناس: رجل يبني خطابه الانتخابي على وعود خلق فرص الشغل وتعزيز القيمة المضافة، فيما تحتج أمام أحد فنادق المدينة المرتبطة بمحيطه المهني مئات العاملات اللواتي لم ينلن لا شغلاً ولا قيمة ولا حتى اعترافاً بإنصافهن. ليبقى الانتقال من موقع القيادة في جمعية مهنية إلى قبة البرلمان مرهوناً بجسر المصداقية، وهو جسر يبدو هشاً حين تقف على حافته 560 أسرة تحمل ملفاتها المطلبية بحثاً عن إنصاف مؤجل.
ومع ذلك، فإن الدفوعات القانونية والزمنية التي يقدمها الأنصاري تضعه أمام تحدٍ يتجاوز حدود المسؤولية الإدارية المباشرة؛ فرجل الأعمال الذي يطمح لتمثيل الساكنة وتشجيع الاستثمار يجد نفسه أمام انتظارات اجتماعية ثقيلة تتطلب المبادرة. ورغم أن براءة ذمته الموثقة قد تعفيه من التبعات القانونية المباشرة، فإن موقعه داخل قطاع النسيج يفرض، من زاوية النقاش العمومي، مسؤولية أخلاقية وسياسية في الدفع نحو حلول عملية، تنهي وضعاً اجتماعياً متأزماً ظل مفتوحاً منذ سنوات، وتعيد التوازن إلى علاقة الاقتصاد بحقوق من يدورون في فلكه.

تعليقات