ملايين الدراهم لاستوديوهات الألعاب.. استثمار عمومي يراهن على صناعة عالمية أم مغامرة غير محسوبة؟

لم يعد قطاع ألعاب الفيديو في المغرب مجرد مجال للترفيه الرقمي أو سوق استهلاكية ثانوية، بل تحوّل إلى ورش اقتصادي ناشئ يحظى باهتمام متزايد من طرف الدولة، في سياق يثير أسئلة أكثر مما يقدم إجابات، ويفتح النقاش حول مدى قدرة هذا التوجه على التحول إلى رافعة اقتصادية حقيقية ومستدامة.
ووفق ما كشفت عنه وكالة «بلومبرغ» الأمس، تعتزم وكالة الضمان الائتماني الحكومية «تمويلكم» توقيع اتفاقيات تمويل مع ثلاثة استوديوهات مغربية متخصصة في ألعاب الفيديو، على أن يحصل كل واحد منها على دعم بقيمة «عدة ملايين من الدراهم». وقد جاء هذا الإعلان على لسان وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، على هامش معرض لألعاب الفيديو الذي احتضنته الرباط أول أمس، في خطوة تبدو طموحة من حيث الشكل، لكنها تطرح في العمق مجموعة من علامات الاستفهام حول شروط التنفيذ وآفاق النجاح.
ويكتسب هذا التوجه دلالته من كون الوزير بنسعيد نفسه أقرّ بأن الرأسمال الخاص المغربي لا يُبدي استعداداً كبيراً للمخاطرة في القطاعات الإبداعية الناشئة، مفضلاً الاستثمار في المجالات ذات العائد السريع والمضمون. وهو اعتراف يعكس، في جوهره، إشكالية بنيوية تتعلق بضعف جاذبية هذه القطاعات لدى المستثمرين، أكثر مما يعكس مجرد ملاحظة عابرة ضمن خطاب سياسي.
ومن هذا المعطى تنطلق المقاربة الحكومية لتبرير تدخل المؤسسات العمومية، حيث يعتبر بنسعيد أن «تمويلكم» تضطلع بدور محوري في تقليص المخاطر التي يتجنب القطاع الخاص تحملها. غير أن هذا الطرح يفتح نقاشاً أعمق حول طبيعة النموذج التنموي المعتمد: هل يمكن بناء صناعة ألعاب فيديو قادرة على المنافسة عالمياً عبر دعم عمومي يعوض غياب الاستثمار الخاص، أم أن الأساس يكمن في إصلاح بيئة الأعمال وتعزيز ثقة الفاعلين الاقتصاديين؟
وعلى مستوى الأرقام، يطمح المغرب إلى رفع رقم معاملات قطاع ألعاب الفيديو من حوالي 200 مليون دولار حالياً إلى 3 مليارات دولار في أفق سنة 2032، مع توقع بروز شركة أو شركتين مغربيتين ضمن فئة «اليونيكورن»، أي الشركات التي تتجاوز قيمتها السوقية مليار دولار. وهي أهداف تعكس سقفاً عالياً من الطموح، لكنها تبقى مرتبطة بمدى توفر شروط واقعية قادرة على تحويل هذه المؤشرات إلى نتائج ملموسة قابلة للقياس.
وفي هذا السياق، يبرز اسم «June Studio»، الذي أسسه إلياس بلعابد سنة 2023، ويعمل حالياً على تطوير مشروعين في مجال ألعاب الفيديو، مع سعيه إلى جمع تمويل يناهز 757 ألفاً و400 دولار. وقد حظي أحد مشاريعه «Exploitation: Corporate Greed» بإشادة خلال افتتاح مؤتمر ألعاب الفيديو بالرباط، في إشارة إلى اهتمام رسمي متزايد بهذا القطاع الناشئ.
غير أن هذا الزخم الرمزي لا يلغي التساؤلات المرتبطة بمدى جاهزية البنية التحتية الرقمية، وكفاءة الموارد البشرية، وقدرة المغرب على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية لصناعة ألعاب الفيديو، وهي صناعة تسيطر عليها شركات دولية راكمت خبرة طويلة واستثمارات ضخمة عبر عقود من التطور التقني والإبداعي.
ويزداد هذا الرهان تعقيداً مع الحديث عن إمكانية بلوغ مرحلة «اليونيكورن» في أفق سنة 2032، في وقت لا تزال فيه المنظومة التعليمية لم تُرسّخ بعد تكوينات متخصصة بالشكل الكافي في تطوير الألعاب، كما أن السوق المحلية ما تزال في طور التشكل. وهو ما يجعل بعض الأهداف المعلنة تبدو متقدمة على واقع القطاع، أكثر مما هي امتداد طبيعي لتطوره الفعلي.
ويبقى التحدي الحقيقي مرتبطاً بقدرة هذه الاستثمارات على الانتقال من مستوى التصريحات والتمويلات الأولية إلى صناعة فعلية قادرة على الإنتاج والتصدير وخلق القيمة المضافة وفرص الشغل. فالمسألة لا تتعلق فقط بضخ الأموال في استوديوهات ناشئة، بل ببناء منظومة متكاملة قادرة على المنافسة داخل سوق عالمية شديدة التحدي والتسارع.

تعليقات