آخر الأخبار

بين كأس العالم والديون الخارجية.. المغرب يجمع 2.25 مليار يورو من الأسواق الدولية

في مشهد يعكس ثقة متصاعدة في الملف المالي المغربي، نجحت المملكة في تعبئة 2.25 مليار يورو من الأسواق الدولية عبر إصدار سندات سيادية، وسط إقبال لافت من المستثمرين تجاوز بمراحل حجم العرض، ما يُرسّخ مكانة الرباط بوصفها وجهة استثمارية موثوقة في محيط إقليمي يتسم بتوترات متزايدة.

تجري العملية منذ الأمس، وتوزعت على شريحتين؛ الأولى بقيمة 1.25 مليار يورو تستحق سنة 2034، والثانية بمليار يورو تستحق سنة 2038. وقد تجاوزت الطلبات المقدمة 5.2 مليار يورو، أي ما يعادل نحو 2.5 ضعف الكمية المعروضة، فيما حُددت هوامش التسعير النهائية عند 170 نقطة أساس فوق عوائد سندات الخزانة الأمريكية للشريحة ذات الثماني سنوات، و200 نقطة أساس للشريحة الممتدة لاثنتي عشرة سنة.

وأدارت هذا الإصدار كبرى المؤسسات المصرفية الدولية، من بينها «بي إن بي باريبا» و«سيتي» و«دويتشه بنك» و«جيه بي مورغان»، فيما تولت شركة «لازارد» مهمة الاستشارة المالية. ولا يُعد هذا الإصدار حدثاً معزولاً، بل يندرج ضمن مسار تمويلي متصاعد؛ إذ سبق للمغرب في مارس من العام الماضي أن أنجز عملية مماثلة جمع فيها ملياري يورو، مع استقطاب عروض تجاوزت 6.75 مليارات يورو.

ويأتي التوجه نحو اليورو تحديداً انعكاساً طبيعياً لعمق الروابط الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي، الشريك التجاري الأول للمملكة، وكذلك لاهتمام المؤسسات الأوروبية بتمويل مشاريع البنية التحتية المرتبطة باستضافة كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال. وتُقدّر وكالة «فيتش» قيمة هذه المشاريع بنحو 20 مليار دولار، فيما تتجاوز استثمارات البنية التحتية والطاقة الشمسية ومحطات تحلية المياه 100 مليار دولار حتى نهاية العقد الجاري.

وتتشكل خلفية هذه العملية من ركائز متعددة، في مقدمتها استعادة المغرب تصنيفه الائتماني إلى درجة «جديرة بالاستثمار» من وكالة «ستاندرد آند بورز»، بعد رفعه من «BB+» إلى «BBB-» مع نظرة مستقبلية مستقرة في سبتمبر من العام الماضي، وذلك في سياق مسار من الانضباط المالي شمل إعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز سنة 2023، والاستعداد لاستضافة «المونديال» عبر توسيع شبكات السكك الحديدية، وزيادة طاقة المطارات، وتأهيل الملاعب.

غير أن المشهد لا يخلو من ضغوط مالية ملموسة؛ إذ سجلت ميزانية المغرب عجزاً بلغ 19.1 مليار درهم منذ مطلع العام إلى نهاية أبريل، بارتفاع سنوي يناهز 9 بالمئة، وفق النشرة الشهرية لتنفيذ الميزانية الصادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية. وزاد على ذلك قرار الحكومة رصد 20 مليار درهم إضافية، أي ما يعادل 2.2 مليار دولار، لدعم أسعار المواد الأساسية المتأثرة بتداعيات حرب إيران، وهي اعتمادات تم تمويلها من إيرادات ضريبية فاقت التوقعات الأولية بـ10.1 مليار درهم خلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة.

وتضع الحكومة أمامها هدفاً مزدوجاً يجمع بين الاستثمار الطموح والانضباط المالي؛ إذ تحدد ميزانية 2026 سقف الاقتراض الخارجي في 60 مليار درهم، أي ما يعادل 6.5 مليار دولار، في حين تسعى إلى خفض عجز الميزانية إلى 3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية العام، مدعومة بتوقعات نمو تتجاوز 5.3 بالمئة، مدفوعة بتعافي القطاع الفلاحي بعد ست سنوات من الجفاف، رغم استمرار الضغوط المرتبطة بالوضع الدولي.

ويبدو أن الرباط تراهن على معادلة دقيقة تقوم على استقطاب التمويل الدولي بشروط تنافسية، وإدارة الدين العمومي بحذر، وتشييد بنية تحتية موجهة لاستحقاق عالمي، دون الإخلال بالتوازنات المالية التي أعادت ترسيخ ثقة المؤسسات التصنيفية. فالمغرب لا يكتفي بالاقتراض، بل يربط التمويل بمرحلة استثمارية أوسع تجعل من استحقاقات 2030 رافعة للنمو بدل أن تتحول إلى عبء مالي.

المقال التالي