آخر الأخبار

فارق بـ 22 دولاراً للبرميل.. من يجني ثمار النفط الروسي الرخيص في المغرب؟

تتصاعد التساؤلات حول مصير الفارق السعري الكبير الذي يُميز النفط الروسي مقارنة بنظيره في الأسواق العالمية، في وقت باتت فيه المملكة المغربية تتصدر قائمة مستوردي الوقود الروسي في شمال إفريقيا، بينما يواصل المستهلك المحلي أداء فواتيره وفق مؤشرات خام برنت العالمية. وزاد من حدة هذا الجدل تسجيل خام برنت، اليوم الأربعاء، تراجعاً بنسبة 0.4 بالمائة ليصل إلى 110.83 دولارات للبرميل، فيما انخفض خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 0.3 بالمائة إلى 103.88 دولارات، وسط ترقب لنتائج المحادثات الأمريكية الإيرانية.

بدأت خيوط هذا الملف تتكشف بعدما نشرت صحيفة «إل باييس» الإسبانية تقريراً رصد ارتفاعاً قياسياً في واردات إسبانيا من الديزل المغربي، مصحوباً بشكوك جدية بشأن منشأ روسي محتمل لتلك الشحنات. ولم تمضِ أشهر حتى جاءت منصة «أفريكا إنتليجنس»، يومه الاثنين، لتضيف معطيات جديدة إلى القضية، مؤكدة أن المغرب أصبح خلال سنة 2025 أكبر مستورد للوقود الروسي في المنطقة، رغم العقوبات الأوروبية المشددة المفروضة على موسكو.

وبحسب التحقيق ذاته، يقف وراء جزء من هذه العمليات تاجر مقيم في جنيف يُدعى نييلز تروست، ويترأس شركة «باراماونت إنرجي أند كوموديتيس إس إيه»، حيث استغل التحولات الجيوسياسية في قطاع الطاقة لتحويل المغرب إلى نقطة عبور استراتيجية لتدفقات الوقود الروسي. كما أن الفارق السعري ليس تفصيلاً ثانوياً، إذ تشير التقديرات إلى أن النفط الروسي يُباع بأسعار تقل بنحو 22 دولاراً للبرميل مقارنة بالأسعار المرجعية العالمية، وهو فارق نتج بشكل مباشر عن العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي عقب الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022.

ولم تتوقف الإجراءات الأوروبية عند هذا الحد، بل شهد شهر أكتوبر من السنة الماضية تشديداً إضافياً للعقوبات على قطاع الطاقة الروسي، شمل وقفاً كاملاً لواردات الغاز الطبيعي المسال بحلول نهاية سنة 2026، إضافة إلى استهداف ما بات يُعرف بـ«الأسطول الشبح» من ناقلات النفط، الذي تعتمد عليه موسكو للالتفاف على القيود التجارية والمالية. وفي هذا السياق، رصدت وسائل إعلام إسبانية في مناسبات متعددة وجود سفن مرتبطة بهذا الأسطول في المياه المغربية أو بمحيطها، ما يعزز فرضية تحول المملكة إلى حلقة محورية داخل شبكة تجارية واسعة ومعقدة.

غير أن تجاوز العقوبات لا يرتبط فقط بالشق اللوجستي، بل يتطلب أيضاً قنوات مالية قادرة على تمرير عمليات التحويل والأداء. وفي هذا الإطار، أشارت «أفريكا إنتليجنس» إلى وجود كيانين مصرفيين مغربيين يُعتقد أنهما أسهما في تسهيل بعض هذه المعاملات، خاصة بعد إقصاء الاتحاد الأوروبي، منذ مارس 2022، عدداً من المصارف الروسية الكبرى من نظام «سويفت» للتحويلات المالية الدولية بهدف تقليص مصادر تمويل الحرب. ورغم حساسية هذا الجانب المالي، فإن الملف ما يزال بعيداً عن أي تحقيق عمومي أو مساءلة مؤسساتية واسعة داخل المغرب.

وعلى المستوى التشريعي، تعثرت مبادرة أحزاب المعارضة التي أُطلقت في أبريل 2023 من أجل تشكيل لجنة تحقيق برلمانية بشأن واردات الوقود الروسي، بعدما انسحب حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من المبادرة، لتُغلق بذلك إحدى أبرز آليات الرقابة المؤسساتية على هذا الملف. وفي المقابل، قللت الحكومة، برئاسة عزيز أخنوش، من حجم هذه الواردات، مؤكدة أنها تبقى محدودة داخل المزيج الطاقي الوطني. كما أوضح المتحدث الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، خلال ندوة صحفية بتاريخ 2 مارس 2023، أن نسبة استيراد الغازوال الروسي بلغت 9 بالمائة سنة 2020، ثم تراجعت إلى 5 بالمائة سنة 2021، قبل أن تعود مجدداً إلى مستوى 9 بالمائة سنة 2022.

لكن الأرقام الرسمية لا تبدو كافية للإجابة عن السؤال المركزي الذي يظل معلقاً: أين يذهب فارق 22 دولاراً للبرميل؟ إذ تشير معطيات مهنية من قطاع الطاقة إلى أن جزءاً من هذه الشحنات يمر عبر وسطاء دوليين في مراكز تجارية مثل جنيف ودبي، وهو ما يجعل مسار التتبع أكثر تعقيداً، ويفتح الباب أمام هوامش ربح غير معلنة لا يظهر أثرها على مستوى أسعار البيع في محطات الوقود.

وإذا كانت أسعار النفط العالمية تتراجع اليوم تحت تأثير التوترات الجيوسياسية وتقلبات المخزونات الدولية، فإن أسعار المحروقات في السوق المغربية ما تزال بعيدة عن عكس الامتيازات السعرية التي يدخل بها النفط الروسي إلى سلاسل التوريد. وبين معطيات الاستيراد، وغموض مسارات الوساطة، وصمت الأرقام التفصيلية، يبرز سؤال يزداد ثقلاً داخل النقاش العمومي: إذا كان النفط يُشترى بأقل من السعر المرجعي العالمي بعشرات الدولارات، فلماذا لا يصل أثر ذلك إلى جيب المستهلك المغربي؟ وهل تُستثمر هذه الفوارق لتخفيف العبء على المواطنين، أم أنها تتحول في الطريق إلى أرباح لا تراها سوى الحسابات المغلقة والدوائر الضيقة؟

المقال التالي