ما دلالات تعيين موسكو دبلوماسيا سابقا في الجزائر سفيرا لها في المغرب؟

يرى عدد من المتابعين للشأن الدبلوماسي، أن تعيين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للدبلوماسي إيغور بليايف أليكسييفيتش سفيرا فوق العادة ومفوضا لروسيا لدى المملكة المغربية، يحمل أبعاداً تتجاوز الطابع البروتوكولي التقليدي، وقد يعكس في نظرهم إشارات مرتبطة بإعادة ترتيب أولويات موسكو في المنطقة.
وبحسب معطيات متداولة، فإن بليايف الذي صدر مرسوم تعيينه أمس الثلاثاء 19 ماي 2026، يعد من الدبلوماسيين البارزين داخل وزارة الخارجية الروسية، حيث راكم خبرة طويلة في ملفات العالم العربي، خاصة في الجزائر ومنطقة الساحل والصحراء، وهي ملفات تُعتبر من بين أكثر الملفات حساسية في الاستراتيجية الروسية داخل إفريقيا.
ويشير خبراء في الشأن الجيوسياسي إلى أن هذا التعيين يكتسب حساسية خاصة بالنظر إلى المسار المهني للسفير الجديد، الذي شغل منصب سفير روسيا لدى الجزائر بين 2017 و2022، وهي فترة عرفت تعزيزاً واضحاً للعلاقات بين موسكو والجزائر في مجالات الدفاع والطاقة والتنسيق السياسي، في سياق إقليمي اتسم بتصاعد التوتر بين المغرب والجزائر بعد قطع العلاقات الدبلوماسية من الجانب الجزائري سنة 2021.
وخلال فترة عمله في الجزائر، لفت بليايف الانتباه بتصريحات صدرت عنه في ماي 2022، تحدث فيها عن “حق تقرير المصير” للشعبين الصحراوي والفلسطيني، وهو موقف اعتبره متابعون آنذاك منسجماً مع الخطاب الروسي الرسمي القائم على الإشارة إلى قرارات الأمم المتحدة، لكنه أثار في المقابل نقاشاً داخل الأوساط الدبلوماسية المغربية بالنظر إلى حساسية ملف الصحراء المغربية.
وبعد أسابيع قليلة من تلك التصريحات، أنهت موسكو مهام بليايف في الجزائر بمرسوم رئاسي، في خطوة فسّرها عدد من المحللين بأنها قد تكون مرتبطة بإعادة ضبط التوازنات الدبلوماسية الروسية في المنطقة، خصوصاً في ظل رغبة موسكو في الحفاظ على علاقات مستقرة مع مختلف الأطراف في شمال إفريقيا.
ويأتي تعيينه حالياً في الرباط، وفق تقديرات خبراء في العلاقات الدولية، في سياق أوسع يشهد إعادة تموضع روسي في إفريقيا، حيث تعمل موسكو على توسيع حضورها في منطقة الساحل بعد تراجع النفوذ الفرنسي، إلى جانب سعيها لتعزيز شراكاتها مع عدد من الدول الإفريقية والعربية.
وحسب جريدة “الصحيفة” فإن بليايف يصنف داخل وزارة الخارجية الروسية ضمن ما يُعرف بـ“الدبلوماسية المتخصصة في العالم العربي”، إذ تخرج من معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية (MGIMO)، واشتغل في مراحل سابقة في سوريا، كما تولى مهام داخل إدارة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ما منحه خبرة تراكمية في الملفات الإقليمية.
كما يرى مهتمون بالشأن الروسي -حسب المصدر ذاته- أن فترة عمله في الجزائر بين 2017 و2022 تزامنت مع مرحلة حساسة شهدت توسعاً في التعاون العسكري والطاقي بين موسكو والجزائر، إلى جانب تطورات إقليمية متسارعة في ليبيا ومنطقة الساحل، ما جعله قريباً من دوائر صنع القرار المرتبطة بالسياسة الإفريقية الروسية.
ويعتبر هؤلاء أن عودته اليوم إلى المغرب تعكس مقاربة روسية تقوم على إدارة توازن دقيق بين علاقاتها التقليدية مع الجزائر، وأهمية المغرب المتزايدة كفاعل إقليمي في غرب المتوسط وإفريقيا، خاصة في مجالات الأمن والهجرة والطاقة والربط الاقتصادي.
وفي هذا السياق، تشير بعض التقديرات إلى أن موسكو تسعى إلى الحفاظ على علاقات مستقرة مع مختلف الأطراف في المنطقة المغاربية، بما يسمح لها بتوسيع حضورها في إفريقيا دون الدخول في قطيعة مع أي من الفاعلين الرئيسيين في الإقليم.
كما يذكر أن بليايف يُعد من الدبلوماسيين ذوي الرتب العليا داخل السلك الخارجي الروسي، حيث رُقي سنة 2019 إلى رتبة “مبعوث فوق العادة ومفوض من الدرجة الأولى”، كما حصل سنة 2022 على وسام “الاستحقاق للوطن”، وهو ما يعكس، وفق مراقبين، استمرار ثقة المؤسسة الروسية في مساره المهني وتكليفه بملفات ذات طابع استراتيجي.

تعليقات