آخر الأخبار

متابعات جنائية وتشهير ممنهج.. تقرير النقابة الوطنية يضع الصحافة في قفص الاتهام

رسم التقرير السنوي للنقابة الوطنية للصحافة المغربية لوحةً قاتمة لواقع المهنة في البلاد، كاشفاً عن تصاعد حاد في المتابعات الجنائية التي يواجهها الصحافيون، وتنامي أشكال استهدافهم خلال أداء مهامهم، في ظل منظومة تشريعية تفتقر إلى آليات فعلية لحماية استقلالية المهنة.

وأكد التقرير، الصادر برسم دورة 2025-2026، أن المناخ العام يسير نحو عودة المسؤولين إلى نهج الملاحقة القضائية في حق الصحافيين، مشيراً إلى أن الإطار القانوني للقطاع شهد اهتزازاً ملحوظاً خلال هذه الدورة، فضلاً عن تزايد هشاشة الأوضاع الاقتصادية للمقاولات الإعلامية، بما أدى إلى تراجع مكاسب سابقة مرتبطة بوقف ملاحقة الصحافيين.

وتوقف التقرير عند المتابعات القضائية التي طالت عدداً من الصحافيين في قضايا مرتبطة بالصحافة والنشر، حيث جرى في بعض الحالات توظيف القانون الجنائي بدل قانون الصحافة، وهو ما خلق انطباعاً واسعاً بوجود تصعيد ممنهج في التعامل مع الجسم الصحافي. وفي هذا السياق، دعت النقابة إلى إحداث انفراج حقيقي عبر إسقاط هذه المتابعات، وبناء مناخ من الثقة المتبادلة، في أفق تجاوز الإشكالات القائمة وضمان عدم تكرارها.

وعلى مستوى التنظيم الذاتي، سجلت النقابة بقلق بالغ إصرار الحكومة على تمرير مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة خارج أي مشاورات حقيقية مع المهنيين، معتبرةً ذلك مساساً باستقلالية المهنة وتراجعاً عن الضمانات الدستورية والديمقراطية المؤطرة للقطاع. وخلصت إلى أن طريقة إعداد هذا المشروع وتمريره عمّقت أزمة الثقة داخل الوسط الإعلامي، وأبعدت إصلاح المجلس عن مبادئ التعددية والشفافية والاستقلالية المنصوص عليها في الدستور والصكوك الدولية.

أما على المستوى الاجتماعي، فقد أعربت النقابة عن قلقها العميق من تدهور أوضاع الصحافيين، في ظل ضعف الأجور وغياب الحماية الاجتماعية وانتشار عقود العمل الهشة، ما أدى إلى نزيف حاد في الكفاءات الإعلامية، حيث اضطر عدد من المهنيين إلى مغادرة القطاع نحو مجالات أخرى أو الهجرة خارج البلاد. ودعت النقابة إلى إطلاق إصلاح شامل يرتكز على دعم المقاولات الإعلامية، وتعزيز أخلاقيات المهنة، وترسيخ تنظيم ذاتي مستقل يعكس تطلعات الجسم الصحافي.

ولم يسلم الصحافيون أيضاً من أشكال متعددة من الاستهداف المباشر، سواء عبر تدخلات وُصفت بغير الملائمة للقوات العمومية خلال احتجاجات «جيل زد»، أو من خلال اعتداءات صدرت عن مسؤولين وأفراد أثناء أداء مهامهم. كما بلغت حملات التنمر والتشهير مستويات غير مسبوقة، إذ تجاوزت الصحافيين لتطال أسرهم، في وقت أشار فيه التقرير إلى أن غياب حماية قانونية فعالة يجعل من المجلس الوطني للصحافة، في صيغته الحالية، أداةً محتملة لتقييد الحريات بدل صونها.

وفي السياق ذاته، كشفت بعض الأزمات المرتبطة بالكوارث الطبيعية عن تباين واضح بين صحافيين متمسكين بأخلاقيات المهنة وممارسات أخرى تسيء إليها وتنتهك قواعدها. كما زاد التحول الرقمي من تعقيد المشهد الإعلامي، إذ ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في بروز أنماط جديدة لتداول الأخبار، لكنها في المقابل أفرزت تنامياً مقلقاً للأخبار الزائفة والمحتويات المضللة التي تمس بمصداقية الإعلام الوطني.

ويؤكد التقرير أن إصلاح المشهد الإعلامي بالمغرب يظل رهيناً بإرادة سياسية واضحة تجعل من حرية الصحافة أولوية مركزية، إذ لا ديمقراطية مستقرة دون إعلام حر ومستقل، ولا إعلام قوياً في غياب صحافي يتمتع بالحماية والإنصاف في حقوقه. ويرى أن الرهان لا يقتصر على مراجعة القوانين، بل يمتد إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمهنة، في مسار معقد لكنه ضروري لإعادة التوازن إلى القطاع.

المقال التالي