آخر الأخبار

فيديو منتصف الليل.. لماذا احتاج أخنوش إلى “الذباب الإلكتروني” لإقناع المغاربة؟

في زمن الأزمات الاجتماعية وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمغاربة، يبدو أن بعض السياسيين لم يعودوا يراهنون على إقناع المواطنين بقدر ما يراهنون على إقناع “الخوارزميات”. هذا بالضبط ما أعاد إلى الواجهة الجدل حول الحسابات المزيفة، بعد الفيديو الذي نشره رئيس الحكومة عزيز أخنوش ليلة أمس الإثنين، والذي تحول في ظرف دقائق إلى مادة للسخرية أكثر من كونه حدثا سياسيا استثنائيا كما جرى الترويج له.

فمنذ يومين، نشر رئيس الحكومة فيديو ترويجيا قصيرا يعد فيه المغاربة بـ”مفاجأة” مساء الاثنين، ما فتح الباب أمام موجة من الترقب والتساؤلات على مواقع التواصل الاجتماعي. غير أن المفاجأة التي انتظرها كثيرون لم تكن سوى فيديو مطولا نشر بعد منتصف الليل، أعاد فيه أخنوش استعراض نفس الأرقام والمعطيات التي سبق أن قدمها تحت قبة البرلمان بشأن حصيلة حكومته.

لكن ما أثار الانتباه أكثر من مضمون الفيديو نفسه، هو الطريقة التي جرى بها تسويقه رقميا. فبمجرد نشره، ظهرت عشرات الحسابات التي راحت تمطر التعليقات بعبارات التمجيد والإشادة بـ”الإنجازات التاريخية” و”الحكومة الاستثنائية”، بشكل بدا أقرب إلى حملة إلكترونية منسقة منه إلى تفاعل طبيعي لمواطنين حقيقيين.

وبمجرد القيام بجولة بسيطة داخل تلك الحسابات، يكتشف المتابع بسهولة أنها حديثة النشأة، بلا صور حقيقية، ولا منشورات سابقة، ولا تفاعل طبيعي، وبعضها لا يتابع سوى صفحات مرتبطة بالحزب أو بشخصيات سياسية معينة. حسابات أشبه بأشباح رقمية خرجت دفعة واحدة من غرفة مظلمة لتصفق للفيديو وتختفي مجددا بعد انتهاء المهمة.

المثير للسخرية أن الحكومة التي تؤكد في كل مناسبة أنها “قريبة من المواطنين”، باتت تبدو أقرب إلى الحسابات الوهمية من المواطن الحقيقي الذي يواجه يوميا غلاء المعيشة وارتفاع أسعار المواد الأساسية وتراجع فرص الشغل. فبدل أن تنشغل بإقناع المغاربة داخل الأسواق والمقاهي والأحياء الشعبية، أصبحت منشغلة بإقناع التعليقات الآلية داخل الفضاء الأزرق.

أما مضمون الفيديو، فلم يحمل جديدا يذكر، بل أعاد تدوير نفس الخطاب الذي سبق أن أثار انتقادات واسعة من المعارضة ومن محللين اقتصاديين اعتبروا أن الأرقام المقدمة لا تعكس الواقع المعيشي للمغاربة، وأن الإجراءات الحكومية المتخذة خلال السنوات الأخيرة ساهمت في تعميق الأزمة الاجتماعية بدل التخفيف منها.

ولعل أكثر ما أثار السخرية لدى المتابعين هو توقيت النشر نفسه. فبعد حملة تشويق استمرت يومين، اختار رئيس الحكومة منتصف الليل موعدا للكشف عن “الحصيلة”، وكأن الأمر يتعلق بإعلان سري أو عملية عسكرية دقيقة، لا بخطاب سياسي يفترض أنه موجه للمغاربة كافة.

ويبدو أن فريق التواصل المحيط برئيس الحكومة اقتنع بأن الإضاءة الاحترافية، والتصوير السينمائي، والتعليقات المعلبة، قد تصنع صورة جميلة على الشاشة، لكنها لا تستطيع إخفاء واقع يعيشه المواطن يوميا في الأسواق ومحطات الوقود وفواتير الماء والكهرباء.

ففي النهاية، قد تنجح الحسابات المزيفة في رفع عدد التعليقات والإعجابات، وقد تنجح “البروباغندا الرقمية” في صناعة ضجيج افتراضي مؤقت، لكن ما يصعب تزويره فعلا هو شعور المواطن البسيط حين يفتح محفظته آخر الشهر، ويكتشف أن الواقع أكثر قسوة من كل فيديوهات التسويق السياسي.

المقال التالي