تكليفات مشبوهة وكفاءات مُهمَّشة.. هكذا يُدبَّر قطاع الصناعة التقليدية في عهد الوزير «مهبول أنا»

لم تكن الندوة الصحفية التي نظّمها التنسيق النقابي بقطاع الصناعة التقليدية مجرد لقاء احتجاجي عابر، بل تحوّلت إلى وثيقة اتهام علنية بامتياز، تكشف، بالتفاصيل والأرقام، حجم الأزمة التي يرزح تحتها قطاع يُعدّ من أعرق الروافد الاقتصادية والحضارية للمغرب. وفي مواجهة هذا الكشف الصريح، وجد لحسن السعدي، كاتب الدولة المكلف بالقطاع، نفسه في مرمى انتقادات حادة لم تُبقِ كثيراً مما يمكن اعتباره رصيداً تدبيريّاً لمسؤول يُفترض أنه جاء للبناء لا الهدم.
ولم تُجامل النقابات هذه المرة، إذ صعّدت من لهجتها أول أمس، ووصفت مرحلة تدبير السعدي بأنها «تدمير بطيء» لمعنويات الأطر البشرية وللكفاءات التي راكمت خبرات لسنوات داخل القطاع. وتركّزت الانتقادات حول منظومة من التكليفات المثيرة للجدل، والتنقيلات التي لا تستند، بحسب المتدخلين، إلى أي سند إداري واضح، بقدر ما تُحيل إلى شبكة علاقات تجعل «الهاتف» أقوى من نصوص القانون.
وفي تطور أكثر استفزازاً، كشف التنسيق النقابي عن تكليف موظفين جدد بمناصب مسؤولية عليا، في الوقت الذي تُقصى فيه أطر ذات كفاءة وتجربة طويلة إلى هوامش القطاع. واعتبر المحتجون أن هذه الممارسات تُشكّل «إهانة صريحة للكفاءة»، في إشارة إلى تغليب منطق الولاء على حساب الاستحقاق، داخل قطاع يُفترض أن يكون نموذجاً للحكامة والشفافية.
وتتجلى حدة المفارقة حين تُقارن الأرقام المعلنة بالرهانات المرسومة. فالحكومة تتحدث عن بلوغ صادرات الصناعة التقليدية مليار درهم، باعتباره إنجازاً يُحتفى به، في حين كانت الاستراتيجية الرسمية منذ سنة 2015 تستهدف الوصول إلى 7 مليارات درهم. وبحسابات بسيطة، لا يتجاوز المنجز الفعلي نسبة تقارب 15 في المائة من الهدف، وهو ما يجعل خطاب الإنجاز أقرب إلى المفارقة منه إلى النجاح.
وفي سياق هذا التعثر، تبرز ملفات الموارد البشرية كأحد أكثر الملفات إثارة للجدل، حيث أصبحت الترقيات والانتقالات والتمديد بعد سن التقاعد، وفق شهادات نقابية، خاضعة لمنطق الانتقائية والإقصاء. وذهب المتحدثون إلى حدّ القول إن بعض الملفات الإدارية تُستعمل كأداة ضغط لإسكات الأصوات النقابية المعارضة، في اتهامات تمسّ جوهر الشفافية داخل المرفق العمومي.
ولم تسلم جمعية الأعمال الاجتماعية بدورها من هذا النقد، إذ وُصفت طريقة تدبيرها بـ«المليئة بالاختلالات»، مع تسجيل غياب الشفافية وضعف آليات الديمقراطية الداخلية، إضافة إلى غموض يطبع عدداً من الأنشطة التي لا تتضح أهدافها ولا الجهات المشرفة عليها فعلياً، في صورة تعكس اختلالاً بنيوياً يتجاوز الحالات المعزولة.
ورغم ما يزخر به قطاع الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي من إمكانات بشرية وثقافية واقتصادية، قادرة على جعله رافعة تنموية حقيقية، إلا أن واقع التدبير الحالي يعكس اشتغالاً بمنطق ردّ الفعل أكثر من كونه تخطيطاً استراتيجياً. فالمشاكل تُدار يومياً دون معالجة جذورها، ما يكرّس حالة من الدوران داخل نفس الإشكالات.
ويزداد هذا المشهد قتامة عند استحضار المسار التدبيري الحالي، حيث يبدو أن القطاع فقد بوصلته التنموية، بين غياب الرؤية وضعف الاستثمار في الكفاءات. وبدلاً من تحويل الصناعة التقليدية إلى رافعة اقتصادية وثقافية قادرة على خلق فرص الشغل وتعزيز الحضور الدولي للمغرب، تحوّل التدبير إلى إدارة تُراكم الإحباط داخل أوساط المهنيين.
وبين الأرقام غير المحققة، والكفاءات المُهمّشة، والانتقادات النقابية المتصاعدة، يتضح أن الأزمة لم تعد ظرفية، بل باتت بنيوية تمسّ عمق قطاع يُفترض أن يكون أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، لا ساحة لتدبير متعثر يفتقر إلى الانسجام والفعالية.

تعليقات