آخر الأخبار

فرنسا تُعيد رسم دبلوماسيتها مع المغرب برجل من رحم الأزمات.. فهل ينجح لاليوت حيث أخفق غيره؟

لا تختار فرنسا سفيرها إلى الرباط بالصدفة، ولا تُوفد إليه دبلوماسياً لأغراض البروتوكول أو المجاملات السياسية. فعندما تقرر باريس ملء أحد أهم مقاعدها الدبلوماسية، فإنها تُمعن التدقيق في كل تفصيل، وتزن كل خيار بميزان دقيق. وفي هذه المرة، وقع الاختيار على فيليب لاليوت، الدبلوماسي القادم من عمق «الكي دورسيه»، في مرحلة دقيقة تشهد فيها العلاقات المغربية الفرنسية تحوّلاً براغماتياً لافتاً يستدعي شخصية مختلفة في التكوين والنهج.

لم يكن الطريق إلى الرباط محسومًا لصالح لاليوت وحده، إذ طُرح اسم أوريليان لوشيفالييه، مدير مكتب وزير الخارجية، بقوة في كواليس القرار. غير أن الرئيس إيمانويل ماكرون حسم الاختيار لصالح لاليوت، في قرار يحمل إشارات سياسية واضحة. وقد حرصت كل من باريس والرباط على تسريع إجراءات خلافة كريستوف لوكورتييه، تفادياً لأي فراغ دبلوماسي في ظرف إقليمي حساس، على أن يلتحق السفير الجديد بمقر عمله بالتزامن مع احتفالات العيد الوطني الفرنسي، يوم الثلاثاء.

ما يميّز لاليوت عن عدد من أسلافه أنه لم يتشكل في بيئة سياسية تقليدية، بل داخل فضاءات إدارة الأزمات. فهو يشغل حالياً منصب مدير مركز الأزمات والدعم بوزارة الخارجية الفرنسية، وهو جهاز استراتيجي يعمل على مدار الساعة لرصد التوترات الدولية والتعامل معها. وقد أكسبه هذا الموقع خبرة ميدانية متقدمة في تنسيق الاستجابات الإنسانية للكوارث والأوبئة والنزاعات، بما يجعله دبلوماسياً عملياً أكثر منه رجل بروتوكول.

ولم يكن المغرب بعيداً عن مساره المهني، إذ شكّل زلزال الحوز في شتنبر محطة تفاعل مباشرة مع الملف المغربي. فرغم التوترات السياسية التي طبعت تلك المرحلة بين الرباط وباريس، قام مركزه بتنسيق عمليات الدعم الإنساني، وتعبئة الموارد المخصصة للمنظمات غير الحكومية العاملة في المناطق المتضررة، استناداً إلى تقييمات السلطات المغربية. وهو ما يعكس قدرة الرجل على الفصل بين تعقيدات السياسة وضرورات التدخل الميداني.

يمتلك لاليوت مساراً أكاديمياً ومهنياً راسخاً، فهو خريج معهد العلوم السياسية والمدرسة الوطنية للإدارة. وقد تنقل بين محطات دبلوماسية مهمة، من واشنطن حيث شغل منصب سكرتير أول، إلى نيويورك حيث عمل قنصلاً عاماً، ثم سفيراً لدى منظمة اليونسكو وفي هولندا. وتصفه مصادر مجلة «جون أفريك» بأنه دبلوماسي صارم ومنضبط، قد يبدو متحفظاً في البداية، لكنه يتمتع بكفاءة تفاوضية عالية وإلمام واسع بملفات الشرق الأوسط.

أما تجربته في السنغال وغامبيا بين عامَي 2019 و2023، فقد أثارت نقاشاً في أوساط دبلوماسية، حيث اعتبرها بعض المراقبين مؤشراً على إدراك فرنسي متزايد للبعد الإفريقي في السياسة المغربية. غير أن مصادر دبلوماسية أوضحت لـ«جون أفريك» أن «المغرب ليس في حاجة إلى وسيط مع داكار»، معتبرة أن تلك المرحلة شكلت إضافة إلى رصيده الشخصي، دون أن تكون شرطاً حاسماً في مسار العلاقة الثنائية.

تتجه الأنظار إلى الحقيبة الثقيلة التي تنتظر السفير الجديد، وفي مقدمتها التحضير لزيارة الدولة المرتقبة للملك محمد السادس إلى فرنسا، إلى جانب مواكبة مفاوضات «معاهدة الصداقة الفرنسية المغربية» التي تسعى باريس إلى تسريع توقيعها، في وقت يفضّل فيه المغرب نهج التفاوض التدريجي، خطوة بخطوة، في تباين واضح في الإيقاع يفرض دبلوماسية عالية المرونة.

وتبقى الشراكة الاقتصادية بين البلدين الاختبار الأبرز لنجاعة هذا التعيين، خاصة وأن فرنسا ما تزال المستثمر الأجنبي الأول في المغرب بحصة تناهز 30 بالمئة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية. كما تتجه هذه الشراكة نحو آفاق جديدة، خاصة في الأقاليم الجنوبية، حيث تتوسع فرص الاستثمار وتتعاظم الحاجة إلى تأطير دبلوماسي فعّال، وهو ما سيشكّل أحد أبرز معايير تقييم أداء السفير الفرنسي الجديد في الرباط.

المقال التالي