آخر الأخبار

ذكرى تفجيرات 16 ماي.. من صدمة الدار البيضاء إلى نموذج أمني عالمي (صور)

تحلّ الذكرى الثالثة والعشرون لتفجيرات الدار البيضاء، تلك اللحظة المفصلية التي أعادت رسم ملامح السياسة الأمنية المغربية من جذورها. ففي «الجمعة الأسود»، هزّت سلسلة من التفجيرات الانتحارية عددًا من المواقع في الدار البيضاء، مستهدفة مطعمًا وفندقًا وأماكن يرتادها الأجانب، ما خلّف عشرات القتلى والجرحى، قبل أن تعقبها موجة اعتقالات واسعة في أوساط يُشتبه في ارتباطها بالتطرف. وقد استدعت تلك الأحداث استجابة مغربية شاملة، تجاوزت منطق تدبير الصدمة إلى بناء استراتيجية أمنية متكاملة، باتت اليوم مرجعًا دوليًا معترفًا به.

لم يقتصر ردّ الفعل المغربي على المعالجة الأمنية الآنية لتداعيات تلك الليلة الدامية، بل جرى تحويل المأساة إلى منهج عمل قائم على الاستباق بدل الانتظار. وقد تجسّد ذلك في تأسيس المكتب المركزي للأبحاث القضائية، الذي مثّل نقلة نوعية في أداء الأجهزة الأمنية، إذ انتقلت المقاربة من مطاردة الخلايا بعد تشكّلها إلى تفكيكها وهي لا تزال في مراحل التخطيط. وأسفرت هذه المقاربة عن تفكيك أزيد من 215 خلية إرهابية، وتوقيف نحو 4300 مشتبه به، وإحباط ما يزيد على 500 مخطط تخريبي منذ سنة 2002.

غير أن المقاربة الأمنية وحدها لم تكن كافية دون معالجة البيئة الحاضنة للتطرف. لذلك عمل المغرب على إعادة هيكلة الحقل الديني من خلال تأطير المساجد وتوحيد الخطاب الديني تحت مظلة إمارة المؤمنين، مع تكوين الأئمة والمرشدات وفق مناهج منسجمة مع ثوابت الهوية المغربية. كما أعيد النظر في المقررات الدراسية وتنقيتها من أي مضامين قد تُستغل في إنتاج خطاب الكراهية أو التكفير، إلى جانب تعزيز دور المجلس العلمي الأعلى في ضبط الفتوى وترسيخ قيم التسامح، بما أسّس لما يُعرف بـ«الأمن الروحي».

وفي موازاة ذلك، ولتقليص الهشاشة الاجتماعية التي قد تُستغل كمدخل للتطرف، أطلق المغرب برامج تنموية كبرى، في مقدمتها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إلى جانب إعادة تأهيل الأحياء الهامشية التي شكّلت في فترات سابقة بيئة قابلة للاستقطاب، فضلاً عن دعم المقاولات الصغيرة وتشجيع المبادرات الشبابية. ويعكس هذا التوجه قناعة بأن الفقر والتهميش من أبرز العوامل المساعدة على الانزلاق نحو التطرف.

وعلى المستوى القانوني، واكب المشرّع المغربي تطور أساليب التنظيمات الإرهابية، حيث جرى تعديل القانون رقم 03.03 المتعلق بمكافحة الإرهاب بموجب القانون رقم 14.13، بما يجرّم حتى محاولات الالتحاق بجماعات إرهابية خارج البلاد أو تلقي تدريبات عسكرية بغرض تنفيذ أعمال إرهابية. وقد جاء هذا التعديل استجابة لظاهرتي «الإرهاب الرقمي» و«المقاتلين الأجانب»، اللتين فرضتا تحديات جديدة على منظومات الأمن المعاصرة.

أما على صعيد الانفتاح الدولي، فقد أدرك المغرب مبكرًا أن التنظيمات الإرهابية كيانات عابرة للحدود تعتمد على شبكات معقدة في التمويل والتجنيد والتخطيط، ما يجعل مواجهتها بشكل منفرد أمرًا بالغ الصعوبة. لذلك عزّز شراكاته الأمنية مع فرنسا وإسبانيا وبلجيكا والولايات المتحدة، وأسهمت معطيات استخباراتية مغربية في إحباط مخططات خطيرة داخل أوروبا، وهو ما حظي بإشادة واسعة من مسؤولين أمنيين غربيين.

ومن أبرز مؤشرات هذا المسار، أن مؤشر الإرهاب العالمي لسنة 2026 منح المغرب درجة «صفر»، ليحتل المرتبة 100 من أصل 163 دولة شملها التصنيف. وتزداد دلالة هذا التقييم عند مقارنته بالسياق الإقليمي، حيث تستحوذ منطقة الساحل والصحراء على 51 في المئة من العمليات الإرهابية عالميًا، في ظل تمدد غير مسبوق للجماعات المسلحة في عدد من دول المنطقة.

واعترافًا بهذا النموذج، قررت الأمم المتحدة افتتاح مكتبها لمكافحة الإرهاب والتدريب في إفريقيا بالرباط، وهو الأول من نوعه في القارة. كما احتضن المغرب عددًا من المؤتمرات الدولية البارزة، من بينها المؤتمر الوزاري السابع للتحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» بمشاركة 85 دولة، والدورة 93 للجمعية العامة للإنتربول في مراكش، إضافة إلى أول مؤتمر دولي مخصص لضحايا الإرهاب في إفريقيا بالرباط في دجنبر 2025.

غير أن المشهد الراهن لا يخلو من مؤشرات تستدعي الانتباه، إذ تؤكد التجربة أن الإرهاب لا ينشأ بشكل مفاجئ، بل تسبقه عادة بيئة من التحريض والكراهية تُمهّد نفسيًا للفعل العنيف. وهو ما يجعل المرحلة الحالية بحاجة إلى يقظة من نوع مختلف، ترتبط ليس بوجود تنظيمات مسلحة، بل بتشابه بعض أنماط الخطاب مع تلك التي مهّدت سابقًا لظهور التطرف.

وكما انتشرت قبل تفجيرات الدار البيضاء خطابات التكفير التي قسمت المجتمع إلى «مؤمنين» و«كفار»، تُعاد اليوم بعض الآليات ذاتها بصيغ سياسية مختلفة، عبر استعمال أوصاف مثل «المتصهينين»، أو اتهام الدولة بتشجيع «الاستيطان» وحماية «الصهاينة». وتزداد خطورة هذا الخطاب حين يصدر عن جهات منظمة، ما يجعله قابلًا للتحول إلى مدخل للتأثير على الفئات الهشة نفسيًا واجتماعيًا.

ومن هذا المنظور، تبدو المكاسب الأمنية التي راكمها المغرب مرتبطة بمدى القدرة على مواجهة خطاب الكراهية والتخوين، الذي يسعى إلى تحويل القضايا الخارجية إلى أدوات صراع داخلي. فالتحدي لا يتعلق بتقييد حرية التعبير أو التضامن، بل بحماية المجال العام من الانزلاق نحو التحريض الجماعي الذي يهدد التماسك المجتمعي.

وتبرز، في هذا السياق، الحاجة إلى تعبئة جماعية تشارك فيها مختلف الفاعليات، من دولة وأحزاب ونخب ثقافية وإعلامية ومؤسسات دينية، من أجل ترسيخ ثقافة الاختلاف السلمي وتجريم التحريض على الكراهية، بما يضمن الحفاظ على ما راكمه المغرب من استقرار وتماسك على مدى عقود.

المقال التالي