آخر الأخبار

فوضى دورة ماي بالرباط.. 40 مليار سنتيم تفجّر أزمة النزاهة والشفافية في مجلس العاصمة

اتسمت أشغال دورة ماي لمجلس جماعة الرباط، اليوم الثلاثاء، بأجواء متوترة وغير مسبوقة، بعدما تحولت قاعة الجلسات إلى فضاء للصخب والضجيج خلال مداخلة المستشار عمر الحياني، عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، بشأن اتفاقية مالية ضخمة تربط الجماعة بشركة «الرباط للتهيئة». وبلغت حدة التوتر مستوى دفع الحياني إلى مطالبة رئيسة المجلس، فتيحة المودني، بالتدخل لضبط القاعة، قبل أن يواصل مداخلته وسط صخب متواصل.

وتمحور جوهر النقاش حول اتفاقية تقضي بتحويل 400 مليون درهم، أي ما يعادل 40 مليار سنتيم، من ميزانية جماعة الرباط لفائدة شركة «الرباط للتهيئة»، التي يرأس مجلس إدارتها والي جهة الرباط ـ سلا ـ القنيطرة، وذلك بهدف إنجاز مشاريع تهيئة بعدد من مناطق العاصمة.

وانتقد الحياني ما وصفه بـ«الغموض» الذي يلف هذه الاتفاقية، معتبراً أنها تفتقر إلى تحديد دقيق لاختصاصات مختلف الأطراف المعنية، خصوصاً الشركة المستفيدة من هذا التمويل العمومي الضخم. وأوضح أن اعتراضه لا يتعلق برفض المشاريع التنموية في حد ذاتها، بل بالمطالبة بالكشف عن لائحة واضحة وشفافة للمشاريع المزمع إنجازها، وربطها بشكل مباشر بالغلاف المالي المرصود لها، ضماناً لاحترام مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وكشف المستشار، في تدوينة نشرها عقب انتهاء الدورة، أنه كان الصوت المعارض الوحيد خلال عملية التصويت على الاتفاقية، في وقت صوّتت فيه مكونات الأغلبية، من التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال والعدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي، لصالح المشروع، في مشهد عكس عزلة موقف فيدرالية اليسار داخل المجلس مقابل اصطفاف سياسي واسع خلف الاتفاقية.

ولم يتوقف الجدل عند حدود المداخلة الشفهية، إذ عمد الحياني إلى نشر تسجيلات مصورة توثق كلمته داخل الدورة، إلى جانب مقاطع أخرى أظهرت حالة الفوضى التي طبعت الجلسة. وأكد أن بعض الأشخاص الذين أحدثوا الضجيج داخل القاعة لا ينتمون إلى المجلس، معتبراً أن استقدامهم تم بشكل متعمد للتشويش على مداخلات منتخبي الفيدرالية وعرقلة حقهم في التعبير وإبداء الرأي داخل مؤسسة منتخبة يفترض أن تؤطرها قواعد النقاش الديمقراطي واحترام الرأي المخالف.

وفي أول رد فعل سياسي، أصدرت الكتابة الإقليمية لفيدرالية اليسار الديمقراطي بالرباط بياناً شديد اللهجة، أدانت فيه ما وصفته بـ«السلوكيات المسيئة» التي شهدتها الجلسة، من صفير وصراخ وتهديد طال مستشارها، معتبرة أن ما وقع يسيء إلى صورة المؤسسة المنتخبة ويمس بهيبة مجلس يمثل ساكنة العاصمة.

وحملت الفيدرالية مسؤولية ما جرى لرئاسة المجلس، متهمة إياها بعدم تفعيل صلاحياتها القانونية لضبط الجلسة وفق مقتضيات القانون التنظيمي 113.14، خاصة ما يتعلق بـ«شرطة الجلسة» والحفاظ على النظام داخل أشغال الدورات الرسمية.

وطالبت الهيئة السياسية بضمان سلامة المستشارين وتمكينهم من ممارسة مهامهم الدستورية والقانونية في ظروف تحترم التعددية السياسية وحرية التعبير داخل المؤسسة المنتخبة، داعية إلى تفعيل صارم لمقتضيات القانون خلال الدورات المقبلة، تفادياً لتكرار مشاهد الفوضى التي ألقت بظلالها على واحدة من أكثر دورات مجلس الرباط إثارة للجدل خلال الفترة الأخيرة.

ويعيد هذا الجدل إلى الواجهة أسئلة متزايدة حول طرق تدبير الصفقات والاتفاقيات الكبرى داخل الجماعات الترابية، وحدود الرقابة السياسية على الأموال العمومية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمبالغ مالية ضخمة تُرصد لمشاريع لا تُعرض تفاصيلها بشكل دقيق أمام الرأي العام. كما كشفت دورة ماي بمجلس الرباط أن أزمة الثقة بين مكونات المعارضة والأغلبية لم تعد مرتبطة فقط بالاختلاف السياسي، بل امتدت إلى طريقة تدبير النقاش داخل المؤسسة المنتخبة نفسها، في ظل مطالب متصاعدة بضمان الشفافية واحترام حق المنتخبين في مراقبة وتقييم أوجه صرف المال العام بعيداً عن أجواء التوتر والتشويش.

المقال التالي