عقب أحداث السمارة.. البوليساريو تلوّح بـ”حملة دبلوماسية” وتتجنب مهاجمة واشنطن

تأخرت جبهة البوليساريو في إصدار أي موقف رسمي بشأن الهجوم الذي شهدته مدينة السمارة المغربية، في وقت كانت فيه الإدانات الدولية تتصاعد بوتيرة متسارعة، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول طبيعة الارتباك الذي يطبع تعاطي قيادة الجبهة مع التطورات الأخيرة. ولم يظهر الموقف الرسمي إلا بعد خروج قياديين بارزين إلى الواجهة، في مقدمتهم زعيم الجبهة إبراهيم غالي، وبشير مصطفى السيد، الرئيس الحالي لما يُعرف بـ«البرلمان الصحراوي».
ووجّه إبراهيم غالي رسالة مطوّلة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، هاجم فيها الدول التي سارعت إلى إدانة الهجوم، معتبراً أن مواقفها «منحازة للمغرب» وتتعارض، بحسب تعبيره، مع «الوضع القانوني للنزاع». وفي السياق ذاته، صدر، يوم الأحد، خطاب موازٍ عن بشير مصطفى السيد، في شكل رسالة موجّهة إلى كوادر الجبهة، جرى تداولها عبر وسائل إعلام مقرّبة من التنظيم الانفصالي.
وفي الوقت الذي اتهم فيه غالي الدول المُدينة بـ«تضليل المجتمع الدولي» و«تشجيع الاحتلال»، حذّر بشير مصطفى السيد مما وصفه بـ«تصاعد دبلوماسي خطير»، مشيراً إلى تنسيق يجمع أعضاء دائمين في مجلس الأمن إلى جانب عدد من العواصم الغربية، في ما اعتبره محاولة ممنهجة لنزع الشرعية عن الجبهة وتقويض تحركاتها الميدانية والسياسية.
وبينما كرّر غالي اتهاماته للمغرب بخرق اتفاق وقف إطلاق النار منذ عملية تأمين معبر الكركرات، دعا بشير مصطفى السيد مناضلي الجبهة إلى «مقاومة الضغط الدولي»، وحثّهم على تكثيف التحركات الإعلامية والدبلوماسية عبر تنظيم مؤتمرات صحفية في نيويورك وعدد من العواصم الأوروبية، في إطار ما وصفه بـ«التصدي لحملة تضليل» تستهدف صورة الجبهة في الخارج.
ولعب الموقف الأمريكي دوراً محورياً في توجيه مواقف عدد من الدول الغربية، في وقت وصفت فيه كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية الهجوم بأنه «عمل إرهابي»، مع تأكيد دعمهما لسيادة المغرب ووحدته الترابية. كما اعتبرت إسبانيا أن الهجوم يمثّل خرقاً صريحاً لاتفاق وقف إطلاق النار، ما زاد من حدة الضغوط السياسية والدبلوماسية المفروضة على قيادة البوليساريو.
واللافت في الخطاب الصادر عن الجبهة هذه المرة أنه بدا أكثر توازناً وحذراً مقارنة بمراحل سابقة؛ إذ رغم تحميلها القوى الغربية مسؤولية ما تعتبره «استهدافاً سياسياً»، فإن قيادة البوليساريو تجنّبت توجيه أي انتقاد مباشر لإدارة الرئيس دونالد ترامب، رغم الحضور الأمريكي الواضح في قلب هذه الدينامية الدولية، وهو ما يعكس تحوّلاً لافتاً في طريقة تعاطي الجبهة مع واشنطن، بعد سنوات من الخطاب الحاد والمباشر تجاه الإدارة الأمريكية.
ويكتسب هذا التحول دلالة أعمق عند استحضار التصريحات التي أدلى بها بشير مصطفى السيد سنة 2000، حين كان يشرف على الملف الدبلوماسي داخل الجبهة، إذ تحدّث آنذاك عن إمكانية التوصل إلى اتفاق استراتيجي يتضمن إقامة قاعدة عسكرية أمريكية في الصحراء تحت سيطرة البوليساريو، مقابل اعتراف واشنطن بما تسميه الجبهة «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية»، وهو الطرح الذي عاد إلى الواجهة في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
ويرى مراقبون أن لهجة غالي الهجومية، إلى جانب الخطاب التعبوي الذي تبنّاه بشير مصطفى السيد، يعكسان حجم الارتباك الذي تعيشه قيادة البوليساريو في مواجهة عزلة دبلوماسية متصاعدة، في مقابل تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، التي باتت تحظى بتأييد متزايد من دول مؤثرة داخل المنتظم الدولي.
كما تكشف التحولات الأخيرة في خطاب الجبهة عن توجه أكثر براغماتية في إدارة علاقاتها الخارجية، يقوم على محاولة الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة مع الفاعلين الدوليين، بالتوازي مع تعبئة القاعدة الداخلية في مواجهة الضغوط المتزايدة، وسط تمسك قيادة الحركة بخيار استفتاء تقرير المصير باعتباره المدخل الوحيد لتسوية النزاع.
ويواصل بشير مصطفى السيد تقديم هذا الخيار باعتباره «التزاماً أممياً» ظل معلقاً منذ مطلع الألفية الثالثة، في وقت تواصل فيه الأمم المتحدة مساعيها لإحياء العملية السياسية، وسط دعوات دولية متزايدة إلى تغليب الحل السياسي الواقعي، بعيداً عن أي تصعيد عسكري أو خطابات من شأنها تعقيد الوضع الإقليمي ورفع منسوب التوتر في المنطقة.
غير أن المشهد برمّته يوحي بأن البوليساريو باتت تخوض معركة من نوع مختلف؛ معركة لا تُقاس فيها موازين القوى بعدد المقاتلين أو حجم الأسلحة، بل بمدى القدرة على استعادة الثقة الدولية في خضم عزلة تتعمق يوماً بعد يوم. وبينما تراهن الجبهة على جولات دبلوماسية ونشاط إعلامي مكثف لوقف النزيف السياسي، تبدو خياراتها اليوم أضيق مما كانت عليه في مراحل سابقة، في ظل إجماع دولي متنامٍ يُرجّح كفة الحل التفاوضي على حساب أي مسار آخر.

تعليقات