آخر الأخبار

تحليل: هل تحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة تطوير إلى عامل تهديد لسوق العمل والعلاقات الإنسانية؟

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية تُيسّر المهام اليومية، بل غدا فاعلاً اجتماعياً بامتياز يُعيد تشكيل بنية المجتمعات من الداخل، ويطرح أسئلة جوهرية لم تعد تحتمل التأجيل. إذ كشفت استطلاعات رأي حديثة أن نحو 60 في المئة من العاملين يُبدون قلقاً صريحاً إزاء احتمال فقدان وظائفهم أو التحوّل الجذري في طبيعة أعمالهم جراء تنامي الأتمتة والأنظمة الذكية.

وتتصاعد هذه المخاوف في سياق اندماج متسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي داخل قطاعات حيوية متعددة، من بينها الخدمات والصناعة والإعلام والتعليم، وذلك منذ يوم الجمعة التي شهدت موجة جديدة من التقارير الدولية المنبّهة إلى خطورة هذا التحوّل، مما أفرز حالة واسعة من عدم اليقين الاجتماعي بشأن ملامح سوق العمل في الأفق المنظور.

وتُجمع التقارير الاقتصادية والاجتماعية على أن التحول الرقمي المتسارع أعاد تشكيل بنية الوظائف التقليدية بصورة جذرية، حيث باتت أنظمة ذكية قادرة على إنجاز المهام الروتينية بكفاءة مضاعفة وتكلفة أدنى بكثير، وهو ما يُلقي بعبء ثقيل على كاهل الفئات العمالية الهشة، ولا سيما من يفتقرون إلى المهارات الرقمية المتقدمة القادرة على مجاراة هذا التحوّل.

وفي هذا الإطار، لا يقف المغرب بمنأى عن هذه الموجة العالمية، إذ تشهد سوق العمل الوطنية تحولات ملموسة في قطاعات عدة كالبنوك والاتصالات والخدمات اللوجستية، حيث باتت الشركات الكبرى تعتمد تدريجياً على حلول رقمية ذكية، مما يُثير قلقاً متزايداً في صفوف الشباب المغربي الباحث عن موطئ قدم في سوق عمل تتقلّص فيه الوظائف التقليدية.

وانطلاقاً من هذا الواقع، أضحت الفجوة في المهارات عاملاً محورياً في إعادة توزيع فرص العمل داخل المجتمعات الحديثة، إذ لم يعد التكوين الرقمي مجرد ميزة إضافية، بل صار ضرورة وجودية فرضتها طبيعة السوق المتحوّلة، في ظل مشهد يتّسع فيه الفارق بين من يمتلك المهارة ومن لا يزال خارج دائرة التأهيل الرقمي.

غير أن الأثر الأعمق لهذه الثورة الرقمية لا يقتصر على سوق العمل وحده، بل يمتد ليطال النسيج الاجتماعي في جوهره، حيث يُنبّه مختصون إلى أن الاعتماد المفرط على الوسائط الرقمية والتطبيقات الذكية بات يُضعف التفاعل المباشر بين الأفراد، ويمسّ جودة التواصل الإنساني في عمقه، مُفسحاً المجال أمام علاقات هشّة تفتقر إلى الدفء والعمق.

وتذهب دراسات علمية متعددة إلى التحذير من ظاهرة العزلة الرقمية المتنامية في صفوف الشباب، ولا سيما في السياق المغربي، حيث يُشير باحثون اجتماعيون إلى أن فئات واسعة من الشباب باتوا يُمضون أوقاتاً متزايدة رفقة الأجهزة الذكية على حساب علاقاتهم الإنسانية الحقيقية، في مشهد يكشف عن تصدّعات اجتماعية صامتة تستدعي تدخلاً عاجلاً من المربين وصانعي السياسات العمومية.

وفي مواجهة هذا التحدي المتشعّب، تُفيد تقارير دولية بأن نحو 25 دولة انخرطت بالفعل في نقاشات مستفيضة حول سياسات تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في سوق العمل والحياة الاجتماعية، سعياً إلى تحقيق توازن دقيق بين الاستفادة من مكتسبات التطور التكنولوجي وصون الاستقرار الاجتماعي، وهو رهان يجد المغرب نفسه أمامه بإلحاح متصاعد في ظل توجّهه نحو الاقتصاد الرقمي.

وأمام هذا المشهد المتحوّل بإيقاع متسارع، يغدو السؤال الجوهري ليس عن كيفية التصدّي لموجة الذكاء الاصطناعي، بل عن كيفية امتلاك أدوات استيعابها ببصيرة وحكمة، بما يصون كرامة الإنسان ومكانته المحورية في عالم يتجدد على نحو متسارع، ويجعل من التعليم والتكوين الرقمي الرهان الأكبر للمجتمعات الراغبة في ألا تكون مجرد متفرّج على مستقبلها.

المقال التالي