فوز بطعم الرسالة.. كيف يقرأ المحللون تقدّم الأحرار في الانتخابات الجزئية؟

أثارت نتائج الانتخابات الجزئية الأخيرة نقاشاً سياسياً واسعاً في أوساط المتتبعين والمحللين، بعدما تصدّر حزب التجمع الوطني للأحرار المشهد بحصوله على أكبر عدد من المقاعد المتنافس عليها، في سياق تتزايد فيه التساؤلات حول الدلالات السياسية لهذه النتائج، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقررة في شهر شتنبر المقبل.
وقد جرت هذه الانتخابات يوم الثلاثاء في عدد من الدوائر الانتخابية بمختلف مناطق المملكة، وسط نسب مشاركة متفاوتة، وهو ما أعاد طرح سؤال مركزي ما يزال مفتوحاً: إلى أي حد يمكن اعتبار هذه النتائج مرآة حقيقية لموازين القوى التي ستفرزها الانتخابات التشريعية القادمة؟
ويزداد هذا النقاش تعقيداً بالنظر إلى توقيت هذا الفوز، الذي جاء في لحظة سياسية حساسة تتقاطع فيها حسابات الأغلبية الحكومية مع رهانات المعارضة، ما يجعل من أي قراءة متسرعة لنتائجها احتمالاً غير دقيق من منظور التحليل السياسي. هذا المعطى دفع عدداً من الأكاديميين والمحللين إلى التحذير من استنتاجات مبنية على معطيات ظرفية.
في هذا الإطار، يميز الأستاذ العباس الوردي، المتخصص في القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، بين دلالات هذا الفوز وحدود إسقاطه على الاستحقاقات المقبلة، مؤكداً أن فوز «الأحرار» في هذه المحطة الجزئية «لا يعني أن الطريق معبدة بالورود»، سواء بالنسبة لهذا الحزب أو لباقي الأحزاب المنافسة، مشيراً إلى أن «الانتخابات الجزئية قد تُنصف حزباً في محطة، وتمنح الأفضلية لغيره في محطات أخرى».
ويضيف الوردي أن التوازنات السياسية المقبلة ستظل مرتبطة بطبيعة المرشحين والتزكيات الحزبية والتحالفات الممكنة، إلى جانب التحولات التي قد تطرأ في المشهد الحزبي، معتبراً في الوقت نفسه أن رئاسة الحكومة ستدور، في تقديره، حول ثلاثة أحزاب رئيسية هي: التجمع الوطني للأحرار، وحزب الاستقلال، وحزب الأصالة والمعاصرة، بالنظر إلى ما تتوفر عليه من حضور تنظيمي وقواعد انتخابية مؤثرة في الظرف الراهن.
وتعكس هذه القراءة مفارقة واضحة في المشهد السياسي المغربي، حيث تسعى الأحزاب إلى توظيف نتائج الانتخابات الجزئية في الخطاب السياسي والإعلامي، بينما يظل المزاج الانتخابي العام أكثر تحفظاً وأقل اندفاعاً وراء التأويلات السريعة، وهو ما يطرح إشكالية تحويل الانتصارات الجزئية إلى تراكم انتخابي مستدام.
وفي هذا السياق، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمنافسة قوية على استقطاب الناخبين غير المرتبطين حزبياً، باعتبارهم العامل الحاسم في رسم ملامح النتائج النهائية، خاصة أن التنافس لم يعد يُحسم فقط عبر الخطاب السياسي أو الزخم الإعلامي، بل عبر قوة البرامج الانتخابية ووضوحها، ومدى قدرة المرشحين على بناء الثقة مع المواطنين.
ولا يستبعد الوردي في تحليله إمكان حدوث تحولات في الخريطة السياسية، سواء عبر تراجع التوازنات الحالية داخل الأغلبية، أو عبر صعود أو إعادة تموقع بعض الأحزاب مثل الاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية، معتبراً أن كل استحقاق انتخابي يخضع لشروطه الخاصة، وأن نتائج الانتخابات الجزئية تظل مؤشراً نسبياً لا يمكن اعتباره قاعدة حاسمة لما سيأتي لاحقاً، في مشهد سياسي ما يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة لم تكتمل ملامحها بعد.

تعليقات