منع كتاب مُبرمج وصفقات بملايير تُمنح لشركة واحدة وتجهيزات متهالكة.. إلى متى يظلّ بنسعيد بمنأى عن المساءلة؟

لا يحتاج المرء إلى كثير من التأمل ليدرك أن ما يجري في المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط يتجاوز بكثير مجرد أخطاء تنظيمية عابرة، فالمتراكم من الوقائع يكشف صورة مقلقة لقطاع ثقافي يُدار بمنطق الواجهة، بينما تتآكل في الخفاء معايير الحوكمة والمساءلة.
ففي يوم الأربعاء، وداخل فضاء النقابة الوطنية للصحافة المغربية، فوجئ الحاضرون بقرار مفاجئ يقضي بإلغاء جلسة تقديم وتوقيع كتاب «زلزال الحوز.. يوميات مواطن غير مقيم» للصحفي والكاتب منتصر إثري، التي كانت مبرمجة على الساعة السادسة مساءً، رغم إدراجها رسمياً في أجندة فعاليات المعرض، وحضور عدد من المهتمين بها.
التبرير الرسمي جاء مقتضباً ومثيراً للاستغراب في آن واحد، إذ أُفيد بأن الكتاب «غير مسجل ضمن قائمة الإصدارات المعتمدة»، وهو ما يطرح تساؤلاً مشروعاً: كيف يُبرمج نشاط رسمياً ثم يُلغى بهذا التعليل في اللحظة نفسها؟ ومن الجهة التي تملك صلاحية البرمجة ثم المنع في الآن ذاته؟ أسئلة ظلت معلقة دون أي جواب رسمي واضح.
هذه الواقعة، في حد ذاتها، كافية لإثارة القلق، غير أنها لا تبدو سوى حلقة ضمن سلسلة أطول من الاختلالات التي يرصدها المتتبعون في تدبير هذا الحدث الثقافي الكبير. فقد أشارت تقارير إعلامية إلى اعتماد تجهيزات وُصفت بالبدائية والخطيرة داخل فضاءات المعرض، من بينها عارضات حديدية سقطت إحداها في ظروف كادت تتحول إلى حادث خطير يهدد سلامة الزوار.
والمفارقة الصارخة أن هذا المستوى المتدني من التنظيم يتزامن مع رصد صفقات بملايير السنتيمات تُمنح بشكل متكرر لشركة واحدة توصف بـ«المحظوظة»، دون أن ينعكس ذلك على جودة التجهيزات أو على مستوى التنظيم، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول الفجوة بين دفاتر التحملات وما يُنفذ فعلياً على أرض الواقع، في ظل غياب أي توضيح رسمي.
هذا النمط المتكرر يضع الوزير المهدي بنسعيد وكاتبه العام بالنيابة في قطاع الثقافة أمام أسئلة مباشرة من الرأي العام، فحين تُصرف ميزانيات ضخمة وتظهر في المقابل تجهيزات متهالكة ومخاطر حقيقية تهدد الزوار، إلى جانب قرارات منع غير مفهومة، يصبح الحديث عن «سوء التقدير» توصيفاً غير كافٍ ولا يقنع أحداً.
ما يزيد المشهد تعقيداً هو استمرار غياب أي محاسبة فعلية رغم تكرار الاختلالات، وهو ما يعزز لدى المتتبعين انطباعاً بأن منطق الإفلات من العقاب بات يطبع تدبير القطاع الثقافي، وأن شعار «الثقافة» يُستعمل في أحيان كثيرة كغطاء لممارسات تفتقر إلى أبسط قواعد الشفافية وصون المال العام، فيما يظل السؤال قائماً بإلحاح: إلى متى؟

تعليقات