آخر الأخبار

ملايين صرفت ومنظومة جاهزة.. لكن الأحكام غائبة: هل يشوب التردد تنزيل العقوبات البديلة؟

باشرت المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج تنزيل القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة عبر حزمة من الإجراءات التنظيمية والتقنية واللوجستيكية، في خطوة تروم إرساء تصور جديد للعدالة الجنائية قائم على بدائل للعقوبات السالبة للحرية.

وفي هذا الإطار، عملت المندوبية على إعادة هيكلة القطاع من خلال إحداث مديرية مركزية خاصة بتتبع تنفيذ العقوبات البديلة، تضم عدة أقسام ومصالح، إلى جانب إحداث وحدات مماثلة داخل مختلف المؤسسات السجنية، مزودة بالموارد البشرية والتجهيزات اللازمة. كما تم إحداث لجنة فرعية داخل اللجنة المشتركة لتتبع هذا الورش، مع توسيع تركيبتها لتشمل مختلف القطاعات المعنية بتنفيذ وتأهيل المحكوم عليهم.

وعلى مستوى الموارد البشرية، تم تنظيم أيام دراسية لفائدة المسؤولين السجنيين لتدارس مستجدات القانون، إلى جانب انتقاء وتكوين أطر متخصصة، وإطلاق برامج تكوينية متدرجة لضمان الإلمام الدقيق بمساطر تنفيذ العقوبات البديلة، مع إعادة توزيع الموارد البشرية بما يتلاءم مع متطلبات هذا الورش.

كما أولت المندوبية أهمية خاصة لتفعيل المراقبة الإلكترونية، حيث قامت بإحداث منصة وطنية لتتبع المحكوم عليهم على مدار الساعة، وتطوير نظام معلوماتي متقدم يغطي التراب الوطني، فضلاً عن التعاقد لتوفير الأساور الإلكترونية وتنظيم دورات تكوينية تقنية لفائدة الموظفين، مع إعداد دليل عملي يضمن توحيد الممارسات واحترام الضمانات القانونية.

وبخصوص عقوبتي العمل لأجل المنفعة العامة وتقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية وتأهيلية، اعتمدت المندوبية مقاربة تشاركية مع مختلف القطاعات، أثمرت عقد اجتماعات تنسيقية وتوقيع 10 اتفاقيات إطار، فضلاً عن إبرام 170 اتفاقية محلية إلى حدود 4 ماي 2026، بهدف تعزيز فعالية التنفيذ على المستوى الترابي، إلى جانب إحداث لجان إقليمية لتنسيق الجهود بين مختلف المتدخلين.

كما شملت الإجراءات المواكبة إعداد دلائل عملية ونماذج مرجعية لتوحيد طرق العمل، ومطويات تعريفية لفائدة المحكوم عليهم تبرز حقوقهم وواجباتهم، مع ضمان مواكبة مستمرة للمؤسسات السجنية في تنفيذ هذه العقوبات.

وفي سياق مواز، وجه رئيس النيابة العامة دعوة إلى مختلف المسؤولين القضائيين بمحاكم المملكة لعقد اجتماع هام يومي الخميس والجمعة المقبلين، بهدف تقييم الأشهر الأولى من تنزيل هذا النظام، والوقوف على أبرز الإكراهات التي تعترض تفعيله، فضلاً عن حث قضاة المملكة على الانخراط بشكل أوسع في اعتماد العقوبات البديلة كلما توفرت شروطها القانونية.

غير أن معطيات متطابقة تشير إلى أن وتيرة تنزيل هذا الورش الإصلاحي ما تزال دون المستوى المأمول، رغم جاهزية البنيات والآليات الموضوعة رهن إشارة المنظومة القضائية. ووفق مصادر خاصة، فإن أحد أبرز أسباب هذا التعثر يرتبط بضعف عدد الأحكام الصادرة بالعقوبات البديلة، في ظل استمرار نوع من التردد لدى بعض القضاة في تفعيل هذا الخيار التشريعي الجديد.

ويطرح هذا المعطى تحدياً حقيقياً أمام نجاح هذا الورش، إذ أن فعالية العقوبات البديلة تظل رهينة بمدى تفاعل السلطة القضائية معها، باعتبارها الجهة المخول لها قانوناً تفعيلها عبر الأحكام القضائية. ويرى متتبعون أن تجاوز هذا الوضع يمر عبر تكثيف التأطير العملي، وتعزيز الثقة في هذا النظام، بما يضمن تحقيق أهدافه في تخفيف الاكتظاظ داخل السجون وتعزيز إعادة الإدماج.

ويرتقب أن يشكل الاجتماع المرتقب محطة حاسمة لإعادة توجيه هذا المسار، ودفع مختلف الفاعلين نحو تفعيل أمثل للعقوبات البديلة، بما ينسجم مع توجهات إصلاح العدالة الجنائية بالمغرب.

المقال التالي