رقم صادم من المندوبية: 27,8 مليون شخص في سن العمل.. أين تختفي 17,5 في المائة من النساء؟

كشفت المندوبية السامية للتخطيط عن رقم ديموغرافي لافت، إذ بلغ عدد السكان في سن العمل، أي كل من تجاوز 15 سنة، ما مجموعه 27,8 مليون شخص خلال الفصل الأول من السنة الجارية. هذا الرقم، الذي يختزل ثقلاً بشرياً هائلاً، يطرح تساؤلات عميقة حول الوجه الاقتصادي للمغرب، خصوصاً حين يتبين أن جزءاً كبيراً من هذه الكتلة البشرية يقف خارج حلبة الإنتاج. فالمذكرة الإخبارية، المستندة إلى بحث ميداني حديث، ترسم خريطة دقيقة لسوق الشغل، تتقاطع فيها رهانات النمو مع مظاهر الإقصاء البنيوي.
وتوضح التفاصيل الصادرة يوم الثلاثاء أن هذه الساكنة تنقسم إلى فئتين وفق علاقتها بسوق الشغل: الأولى هي «القوى العاملة»، التي تضم المشتغلين والعاطلين بالمفهوم الضيق، والثانية هي «السكان خارج القوى العاملة». ويكشف هذا التقسيم الثنائي عن اتساع الفجوة بين الإمكانات البشرية المتاحة والنشاط الاقتصادي الفعلي، إذ لا يتجاوز عدد النشيطين 11.617.000 شخص، في مقابل ملايين تستقر في هامش الاقتصاد، ما يطرح علامة استفهام حقيقية حول نجاعة آليات الإدماج المهني المعتمدة.
وتبرز الصدمة المرتبطة برقم 27,8 مليوناً بشكل أوضح عند تفكيك البنية النوعية للقوى العاملة، حيث لا تمثل النساء سوى 21 في المائة. وفي المقابل، تستأثر النساء بنسبة 71,2 في المائة من «السكان خارج القوى العاملة»، في مفارقة صارخة لا تعكس مجرد اختلال إحصائي، بل تكشف عن خلل بنيوي عميق. وهنا يتجدد سؤال العنوان: أين تختفي النساء؟ إنهن حاضرات عددياً، لكن حضورهن الاقتصادي يظل محدوداً، إذ يُدفع بهن نحو أدوار غير مهيكلة أو أعمال منزلية غير محتسبة ضمن الدورة الإنتاجية الرسمية.
ويزداد هذا الخلل وضوحاً عند تحليل معدل المشاركة، الذي استقر عند 41,8 في المائة على الصعيد الوطني، لكنه ينخفض إلى 17,5 في المائة فقط لدى النساء. وبعبارة أدق، من بين كل 100 امرأة في سن العمل، لا تنخرط فعلياً في سوق الشغل سوى أقل من 18 امرأة، فيما تبقى الأغلبية خارج الدينامية الاقتصادية. هذا المؤشر لا يكتفي بوصف الواقع، بل يضع السياسات العمومية أمام اختبار حقيقي: هل يتعلق الأمر بمجرد اختلال ظرفي، أم بغياب رؤية ناجعة لتحرير الطاقات النسائية وإدماجها في النسيج الإنتاجي؟
وعلى المستوى المجالي، تكرس المعطيات هيمنة الوسط الحضري على تمركز القوى العاملة، إذ يقيم 63,6 في المائة من النشيطين في المدن. غير أن الوسط القروي يسجل معدل شغل أعلى، يبلغ 40,7 في المائة، مقابل 35,5 في المائة في الحواضر. وتعكس هذه المفارقة طبيعة الشغل القروي، الذي يغلب عليه الطابع الموسمي وغير المأجور، بخلاف العمل الحضري الأكثر هيكلة، ما يعيد طرح سؤال جودة فرص الشغل، وليس فقط حجمها، خاصة في المناطق القروية.
أما من حيث التوزيع العمري، فتكشف الأرقام عن هشاشة إدماج الشباب، إذ لا يتجاوز معدل الشغل 16,6 في المائة لدى الفئة المتراوحة بين 15 و24 سنة، مقابل 52,8 في المائة لدى الفئة ما بين 35 و44 سنة. ويعكس هذا التفاوت مساراً غير متكافئ للولوج إلى سوق الشغل، حيث يصطدم الشباب بصعوبات مبكرة تدفع الكثير منهم إلى فترات انتظار طويلة أو إلى مسارات بديلة خارج الإحصاء الرسمي.
واعتمدت المندوبية في هذا التحليل على بحث القوى العاملة لسنة 2026، وهو أول بحث من الجيل الجديد يُنجز وفق المعايير الدولية الحديثة لمؤتمرات إحصائيي العمل. وتكشف هذه المقاربة المنهجية المتطورة أن الرقم 27,8 مليون ليس مجرد معطى ديموغرافي، بل مؤشر مركب على اختلالات عميقة في بنية سوق الشغل، حيث تتحول الكتلة البشرية إلى طاقة معطلة في غياب سياسات فعالة تضمن الإدماج والإنصاف، وتحد من اتساع الفجوة بين الإمكانات المتاحة والاستثمار الاقتصادي الفعلي.

تعليقات