آخر الأخبار

هروب من المسؤولية؟.. بركة يُلقي بثقل جودة الطرق على عاتق المديرين والمقاولين

في مشهد يكاد يتكرر مع كل محطة حكومية، اختار نزار بركة، وزير التجهيز والماء، أن يُلقي بأثقال الملفات الشائكة على عاتق غيره، مُحمّلاً المديرين الجهويين والمقاولين جزءاً كبيراً من المسؤولية. وكأن الأمر يتعلق بنمط تدبيري بات مألوفاً داخل حكومة عزيز أخنوش: تحويل الفشل المحتمل إلى المستويات الدنيا من السلسلة الإدارية، بينما تبقى قمة الهرم في منأى عن أي مساءلة مباشرة. وعندما سُئل الوزير عن واقع الطرق الوطنية في العالم القروي، لم يقدم سوى إجابات عامة تُحيل المسؤولية إلى أطراف متعددة، متجاهلاً أن صلاحيات القرار النهائي تظل بيده داخل هذا القطاع الحيوي.

وأمام تزايد المطالب بتحسين البنيات التحتية الطرقية، صرّح بركة بأن «الحل الوحيد» للحفاظ على الطرق القروية يكمن في الاستثمار المستمر في الصيانة، وكأنه يقدّم طرحاً جديداً لمسألة بديهية في التدبير العمومي. غير أن المفارقة تظهر بوضوح حين يتبين أن وزارته اعتمدت، منذ سنة 2024، غلافاً مالياً سنوياً لا يتجاوز صيانة 500 كيلومتر، في وقت تمتد فيه آلاف الكيلومترات من الطرق في وضعية متدهورة. هذا التباين بين الخطاب والواقع يكشف اتساع الهوة بين الوعود المرفوعة والقدرة الفعلية على الاستجابة، حيث يبدو أن المقاربة المعتمدة تقوم على الترقيع بدل المعالجة الجذرية لمعضلة الطرق القروية.

وفي سياق آخر، أثار الوزير جدلاً واسعاً حين لوّح بمشروع قانون الجهوية المتقدمة كآلية لنقل تدبير الطرق الجهوية إلى مجالس الجهات، في خطوة اعتبرها متتبعون نوعاً من إعادة توزيع المسؤوليات أكثر مما هي إصلاح مؤسساتي. هذه المقاربة، التي تتماهى مع توجهات الحكومة، تقوم على تفكيك مركزية القرار دون توفير الإمكانيات الكافية للجهات، ما يجعل شعار «التمكين» أقرب إلى تفويض للأعباء منه إلى تعزيز حقيقي للصلاحيات. وهكذا يجد المواطن نفسه بين مركز يتراجع عن التدبير المباشر، وجهات لا تمتلك الأدوات الكفيلة بتحمل هذا العبء.

وعلى مستوى الجودة، حاول بركة تقديم صورة إيجابية عن تحسن الشبكة الطرقية خلال السنوات الخمس الأخيرة، غير أن آليات التنفيذ تكشف جانباً آخر من الواقع. إذ شدد على تحميل المديرين الجهويين والمقاولات المنجزة مسؤولية مراقبة الجودة، مع تفعيل المساطر الزجرية في حال تسجيل أي اختلال أو غش، بما في ذلك اللجوء إلى المتابعة القضائية. غير أن هذا الطرح يثير إشكالاً جوهرياً، يتعلق بحدود المسؤولية السياسية، ما دام الوزير هو من يشرف على التعيينات والاختيارات الاستراتيجية داخل القطاع، مما يجعل تحويل المسؤولية إلى المستويات التنفيذية وحدها موضع تساؤل مشروع.

وفي معرض تبريره لحصيلة الوزارة، استعرض الوزير أرقاماً تتحدث عن إنجاز حوالي 21 ألف كيلومتر من الطرق القروية، مع برمجة 2400 كيلومتر إضافية خلال سنتي 2026 و2027. غير أن هذه المعطيات الرقمية، رغم ضخامتها، لا تجيب عن الأسئلة المرتبطة بجودة الإنجاز واستدامته، في ظل غياب منظومة تتبع صارمة ورؤية مندمجة تضمن صيانة مستمرة للبنية الطرقية. فالأرقام، مهما كانت كبيرة، لا تعكس بالضرورة تحسناً ملموساً في حياة الساكنة إذا ظلت الطرق عرضة للتدهور السريع بعد إنجازها.

وتتجلى المفارقة بشكل أوضح عند الحديث عن أولويات المخطط المندمج للتنمية القروية، حيث تُمنح الأسبقية للطرق المؤدية إلى المؤسسات التعليمية والمراكز الصحية والأسواق. غير أن الواقع الميداني في عدد من مناطق الأطلس والريف يكشف استمرار معاناة السكان مع مسالك صعبة تتحول خلال فترات الأمطار إلى عوائق حقيقية أمام التنقل، فيما تبقى خدمات الإسعاف محدودة الوصول إلى دواوير معزولة. وهكذا تتضح الفجوة بين التخطيط المعلن والتطبيق الفعلي، في ظل غياب تدخلات قادرة على تجاوز إكراهات التضاريس وضعف البنية الأساسية.

ويبقى المشهد الأبرز هو أن حكومة رفعت شعار «تقريب الإدارة من المواطن» تبدو اليوم وكأنها تعيد توزيع المسؤوليات أكثر مما تعيد توزيع الحلول. فبينما يُحيل الوزير الملفات إلى المديرين والمقاولات والجهات، يظل النقاش حول المسؤولية السياسية معلقاً دون حسم، في وقت تتواصل فيه معاناة المواطنين مع طرق غير مؤهلة لا تعكس حجم الخطط المعلنة. وهكذا يستمر سؤال المحاسبة مطروحاً بإلحاح، في ظل واقع تتداخل فيه الوعود مع الأعطاب، دون أن تجد طريقها إلى معالجة حقيقية على الأرض.

المقال التالي