بين التجسس ورفض إمارة المؤمنين.. لماذا رفضت إسبانيا منح جنسيتها لإمام تصفه بـ«الزعيم البارز في العدل والإحسان»؟

في كواليس لعبة ظل معقّدة، ترفض أجهزة الأمن الإسبانية منح الجنسية لإمام مغربي يقيم في غرناطة منذ سنة 1998. ولا يتعلق الأمر هنا بشبهات تقليدية مرتبطة بالتجسس، بل بانتماء الرجل إلى حركة إسلامية تُوصَف بأنها راديكالية ومعارضة للنظام الملكي في بلده الأم، ما يفتح نافذة نادرة على تقاطع الاعتبارات الأمنية والعقائدية بين ضفتي المتوسط.
وقد صدر القرار الحاسم عن المديرية العامة للأمن القانوني بوزارة العدل الإسبانية يوم الخميس الماضي، حاملاً بصمة ثقيلة للأجهزة الأمنية. المعني هو رشيد بوطربوش، البالغ من العمر 45 عاماً، والذي تصفه التقارير الأمنية بأنه «زعيم بارز في حركة العدل والإحسان الإسلامية الراديكالية» على الأراضي الإسبانية، مع الإشارة إلى أن هدف هذه الحركة يتمثل في «إقامة نظام ديني يحكمه القانون الإسلامي» في المغرب.
وتؤكد وزارة الداخلية الإسبانية، بحسب ما أوردته صحيفة «الكونفيدينثيال»، أن خطاب الإمام يُشكّل خطراً على المسلمين المقيمين في البلاد من زاوية قابلية التأثر بالتطرف. وتخلص الوثيقة الرسمية إلى نتيجة حاسمة مفادها أن انتشار رسالته داخل الجالية «يعيق اندماجهم في المجتمع الإسباني»، مضيفة بتقدير أمني صارم: «إنه يمثل تهديداً أمنياً محتملاً، ولا يُنصح بمنحه الجنسية الإسبانية».
وعند اطلاعه على حيثيات الرفض، علّق بوطربوش في تصريحات لوسائل إعلام إسبانية بنبرة مباشرة لا تخلو من التحدي قائلاً: «هذه الملاحظات كتبها عبد اللطيف حموشي». ويقصد الإمام بذلك المدير العام للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني في المغرب. وأضاف بنبرة تشكيك واضحة: «لقد وضعوني في خانة مختلقة دون أي دليل أو برهان»، مؤكداً عزمه على الطعن في القرار، رغم أن المحكمة الوطنية كانت قد أيّدت رفضاً مماثلاً سبق أن تعرّض له سنة 2012.
وتُعد حركة العدل والإحسان فاعلاً استثنائياً في المشهد المغربي، إذ ترفض الاعتراف بشرعية «إمارة المؤمنين» التي تشكّل أحد أعمدة النظام الملكي. وقد تأسست سنة 1973 على يد الشيخ عبد السلام ياسين، وتدمج في خطابها بين البعد الروحي الصوفي والمواقف السياسية المعارضة. ورغم أن الدولة تتعامل معها بدرجات متفاوتة من التسامح، فإنها تمنعها من العمل السياسي العلني ولا تعترف بها رسمياً، ما يجعلها خصماً مركباً في معادلة المؤسسة الأمنية.
في المقابل، يتمتع بوطربوش بسجل أكاديمي يمنح حضوره وزناً إضافياً؛ فهو حاصل على دكتوراه في الدراسات العربية والإسلامية من جامعة مدريد المستقلة، وعلى ماجستير من جامعة غرناطة، إضافة إلى إجازة في الأدب من جامعة الرباط. وقد راكم حضوراً في الحقل الديني من خلال تأسيس «رابطة أئمة إسبانيا»، كما نشر أعمالاً فكرية من بينها «الإسلاميون المغاربة والمشاركة السياسية»، وشارك في تأليف كتاب حول هجمات 11 مارس.
ويكشف تتبع نشاط التنظيم في إسبانيا عن مفارقة لافتة، إذ يظهر تحت اسم «المنظمة الوطنية للحوار والمشاركة»، ويتخذ من فيلافيردي في مدريد مقراً له. ويصرّ قادته المحليون على نفي أي ارتباط تنظيمي مباشر بالقيادة في المغرب، مؤكدين أنهم ساهموا في الحد من انجذاب بعض الشباب نحو التيارات السلفية المتشددة، في محاولة لتقديم أنفسهم كفاعل وقائي داخل المجتمع الإسباني، لا كامتداد تهديدي خارجي.
ويعكس ملف رشيد بوطربوش تعقيد العلاقة بين المقاربة الأمنية والهويات الدينية داخل السياق الإسباني، حيث تتقاطع اعتبارات مكافحة التطرف مع حساسية تنظيمات إسلامية ناشطة داخل الجاليات. وبين الموقف الأمني الإسباني ونفي المعني، يبقى القرار النهائي محكوماً بتوازن دقيق بين متطلبات الأمن الداخلي ومعايير الاندماج والحقوق الفردية.

تعليقات