إسبانيا وإسرائيل على صفيح ساخن.. اختطاف في المتوسط يهدد الشراكات الأوروبية

تحوّلت مياه البحر الأبيض المتوسط إلى بؤرة أزمة دبلوماسية غير مسبوقة، بعدما أقدمت القوات الإسرائيلية على اعتراض أسطول «الصمود العالمي» واحتجاز المواطن الإسباني سيف أبو كشك، في خطوة هزّت أركان العلاقة المتوترة أصلاً بين مدريد وتل أبيب. ولم تكتفِ الحكومة الإسبانية بالإدانة الشفهية، بل رفعت منسوب لهجتها إلى حدّ المطالبة بالإفراج الفوري، وسط مخاوف متصاعدة من تحوّل الحادث إلى شرخ عميق يطال الشراكات الأوروبية برمّتها.
وفي بيان صدر اليوم، وصفت وزارة الخارجية الإسرائيلية الناشط أبو كشك بأنه «مشتبه في انتمائه إلى منظمة إرهابية»، في حين وُجّهت للناشط البرازيلي تياغو أفيلا تهمة «القيام بأنشطة غير قانونية». هذا التصنيف قوبل برفض إسباني قاطع، إذ أكدت مصادر دبلوماسية أن وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس يخوض اتصالات ماراثونية مع نظيريه في إسرائيل واليونان، مطالباً باحترام القانون الدولي وضمان الحماية القنصلية الكاملة للمواطنَين قبل فوات الأوان.
سيف أبو كشك، المولود في مخيم عسكر للاجئين في نابلس، والمقيم في برشلونة منذ 23 عاماً، لم يكن على متن سفن المساعدات المتجهة إلى غزة، بل ظلّ في سفينة مراقبة بعيداً عن المياه الإسرائيلية، إدراكاً منه لحساسية وضعه بسبب أصوله الفلسطينية. زوجته سالي عيسى كشفت، في اتصال مع صحيفة «إل باييس»، عن صدمتها من «الاختطاف»، مؤكدة أن النشاط قانوني ومدني بالكامل، ومشددة على أن «ما حدث لا معنى له»، في وقت تسابق فيه الأسرة الزمن لمنع نقله إلى الداخل الإسرائيلي.
ولم يقتصر الغضب على الأروقة الدبلوماسية، بل امتدّ إلى الشارع السياسي، حيث وصف وزير الحقوق الاجتماعية إرنست أورتاسون عملية الحصار بأنها «اختطاف مكتمل الأركان» ينتهك اتفاقيات البحار الدولية. ومن جهتها، ناشدت حركة «الصمود العالمي» الحكومات الأوروبية تكثيف ضغوطها، مؤكدة أن المحتجزين تعرّضوا للضرب والحرمان من الطعام والماء خلال عملية الترحيل، في مشهد أعاد إلى الأذهان توترات سابقة في الممرات المائية نفسها.
وفي جزيرة كريت، بدا المشهد مختلفاً، إذ استقبلت السلطات اليونانية نحو 175 ناشطاً أُفرج عنهم بعد اعتراض 22 سفينة من أصل 58 غربي الجزيرة، فيما هرع ممثلون دبلوماسيون، وفي مقدمتهم القنصل الإسباني في أثينا، لاستقبال نحو ثلاثين مواطناً إسبانياً. وقدّمت أثينا مساعيها الحميدة، مطالبة إسرائيل بسحب سفنها فوراً، ومتعهدة بضمان عودة آمنة لكل من كانوا في مهمة إنسانية قوبلت بالقوة بدل التسهيل.
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز لم يقف موقف المتفرّج، بل جدّد اتهامه لإسرائيل بانتهاك القانون الدولي، داعياً الاتحاد الأوروبي إلى تعليق فوري لاتفاقية الشراكة معها. وفي المقابل، يبرّر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر العملية بالتمسّك بـ«الحصار البحري القانوني»، ما يعمّق فجوة المواقف بين الطرفين، ويضع الاتحاد الأوروبي أمام اختبار دقيق بين التزاماته القانونية وحساباته السياسية، بينما يبقى أبو كشك في قلب هذه المواجهة، بين روايتين متناقضتين: «مشتبه به» في السردية الإسرائيلية، و«ناشط مدني» في الرواية الإسبانية ووجدان التضامن الدولي.

تعليقات