غلاء المواشي وقيود العبور يدفعان مغاربة مليلية إلى الناظور لإحياء طقوس العيد

لا يبدو مشهد العيد في مليلية هذا العام بعيداً عن السنوات السابقة من حيث الطقوس، غير أنه بات أكثر تعقيداً وتشابكاً على مستوى التنظيم والاختيار، بفعل عاملين رئيسيين يتقاطعان في التأثير ذاته: الارتفاع المتواصل في أسعار المواشي من جهة، وتشديد القيود المرتبطة بالعبور والتنقل من جهة أخرى. هذا الوضع أعاد بشكل واضح رسم خريطة اقتناء أضاحي العيد خارج أسوار المدينة، وفق مصادر خاصة لـ«مغرب تايمز»، في سياق يتجاوز البعد الاقتصادي ليلامس نمط عيش يومي تتغير ملامحه سنة بعد أخرى.
في هذا الإطار، تتجه أعداد متزايدة من المغاربة المقيمين بمليلية نحو إقليم الناظور ونواحيه، حيث تتحول أسواق الماشية إلى فضاءات بديلة وضرورية لإتمام شعيرة العيد. ويجد هذا التحول جذوره في مجموعة من العوامل المتراكبة، من بينها القيود المفروضة على إدخال الأغنام واللحوم إلى المدينة، إلى جانب محدودية العرض المحلي مقارنة بالطلب الموسمي المتزايد الذي يرتفع بشكل لافت مع اقتراب المناسبة. وتشير مصادر خاصة لـ«مغرب تايمز» إلى أن هذا التوجه لم يعد استثناءً ظرفياً، بل أصبح خياراً شبه ثابت لدى شريحة واسعة من الأسر.
على المستوى اللوجستي، تشهد ضيعات تربية المواشي والمجازر المحيطة بالناظور تعبئة غير مسبوقة، استعداداً لاستقبال كميات مهمة من رؤوس الأغنام خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً. وتتحرك سلاسل التوزيع في ظروف تتسم بالضغط وسرعة الإيقاع، في ظل تزايد الطلب القادم من مليلية ومحيطها. وتبرز بين هذه الفضاءات ضيعات معروفة باتت تستقبل آلاف الرؤوس في كل موسم، ضمن عمليات منظمة تعتمد على التنسيق الدقيق بين المربين والتجار والموزعين، لتأمين تلبية الطلب المتزايد في الوقت المناسب.
ورغم هذه الدينامية التي تطبع السوق، فإن الأسعار تظل العنصر الأكثر تأثيراً في معادلة العيد. إذ يؤكد مهنيون في قطاع تربية المواشي والجزارة أن أثمان الأضاحي سجلت ارتفاعاً ملحوظاً هذا الموسم، نتيجة تداخل عدة عوامل، من أبرزها ارتفاع تكاليف النقل وأسعار الأعلاف والوقود، إضافة إلى تقلبات العرض المرتبطة بالسوق الدولية. وهو ما تؤكده أيضاً مصادر خاصة لـ«مغرب تايمز»، التي تشير إلى أن هذا الارتفاع انعكس بشكل مباشر على سلوك المستهلكين، الذين أصبحوا أكثر حذراً في اتخاذ قرار الشراء، في ظل ضغط واضح على القدرة الشرائية للأسر.
في المقابل، يختار عدد متزايد من سكان مليلية إعادة تنظيم طقوس العيد خارج المدينة، عبر التوجه إلى أسواق الناظور لاقتناء الأضاحي، ثم نقلها إلى مسقط الرأس أو ذبحها في منازل عائلية بديلة، حيث تتوفر مساحة اجتماعية وعائلية أكثر مرونة. ويعكس هذا السلوك بحثاً عن الحفاظ على جوهر الشعيرة الدينية، بعيداً عن القيود الإدارية والتنظيمية التي تفرضها المدينة، وما يرافقها من إكراهات عملية تؤثر على تفاصيل المناسبة.
ويُلاحظ أن هذا التحول لم يعد مجرد حل مؤقت أو بديل ظرفي، بل بات يعكس إعادة صياغة أعمق للعلاقة بين السكان وممارسة طقوس العيد، حيث تتداخل الاعتبارات الاقتصادية مع البعد الاجتماعي والعائلي بشكل متزايد. وبين ضفة الناظور وحدود مليلية، تستمر حركة العبور الموسمي في رسم ملامح جديدة للمناسبة، في مشهد تتحكم فيه الأسواق بقدر ما تتحكم فيه الجغرافيا والحدود والإكراهات اليومية.

تعليقات