آخر الأخبار

مراهق يسرق بيانات 12 مليون شخص.. السطو الرقمي الذي أربك الدولة الفرنسية

لم تكن خوادم الوكالة الوطنية للعناوين المؤمّنة تحتاج إلى متفجرات أو عتلات لاقتحامها، بل كانت كلمة مرور مخترقة وثغرة غير متوقعة كافيتين لتحويل حياة 12 مليون شخص إلى مجرد صفوف رقمية في إعلان بيع على منتدى سري للقراصنة. ما هزّ أركان الأمن السيبراني الفرنسي لم يكن ضخامة المسروق فحسب، بل عمر اليد التي امتدت إليه، إذ لم يكن المشتبه به قد أتمّ ربيعه السادس عشر بعد.

وبينما كان رئيس الحكومة، سيباستيان لوكورنو، يعقد لقاءً مغلقاً مع موظفي الوكالة في باريس بعد ظهر الخميس الماضي، كانت تفاصيل الاختراق تتسرّب إلى العناوين العريضة، تماماً كما تسرّبت البيانات من الخوادم قبل أيام. لم تكن الزيارة مصادفة ولا بروتوكولية، بل جاءت عقب صدمة تلقتها المؤسسة إثر فعل مراهق أُوقف اليوم الجمعة، متخفياً وراء اسم مستعار هو «Bridge3D»، واضعاً الدولة أمام مرآة هشاشتها الرقمية التي طالما جرى التغاضي عنها.

المشتبه به نشر، قبل أسبوعين، وتحديداً في السادس عشر من أبريل، عرضاً على أحد منتديات القراصنة، زعم فيه حيازته ما يقرب من 18 مليون سطر من البيانات المسحوبة من قاعدة الوكالة. ظلّ العرض متاحاً للتصفح دون أن ترصده أنظمة الإنذار المبكر، وتضمّن سخرية علنية من مستوى الأمن الذي تديره جهة حكومية تتولى إصدار بطاقات التعريف وجوازات السفر ورخص السياقة. أسماء كاملة، تواريخ ميلاد، وعناوين سكن خاصة، كلها أصبحت في مهبّ رياح الويب المظلم.

ولا تبدو هذه الواقعة معزولة عن سياق مقلق، إذ تكشف ملفات تحقيق متقاطعة عن نمط متكرر لأعمار فتية تخترق جدراناً يُفترض أنها منيعة. فقبل عشرة أيام فقط، أُوقف شاب لم يتجاوز الحادية والعشرين، كان يختبئ خلف لقب «Exdex»، بعدما تسلّل إلى خوادم مئة جهة، من بينها اتحادات رياضية، ونجح في الولوج إلى نظام معلومات حساس تابع لوزارة الداخلية خاص بحائزي الأسلحة. هذه التقاطعات ترسم ملامح جيل من القراصنة تحرّكه مكاسب مالية سريعة ورغبة في صيت عابر.

وسط هذا المشهد القاتم، لم يلجأ رئيس الحكومة إلى تلطيف الصورة، بل وصف الواقع قائلاً: «إننا إزاء ما يشبه ثلاث عمليات سطو على المعطيات كل يوم منذ مطلع العام. اختطاف مليون بيان يعادل سرقة حمولة عشر شاحنات كبيرة في عالم الجريمة المادية. إنها سطوة القرن، لكنها تتكرر شهرياً، وهذا وحده يفضح مدى هشاشتنا». لم تكن هذه الكلمات مجرد إدانة أدبية، بل حملت اعترافاً نادراً بفداحة «الدَّين الرقمي» الذي تراكم لعقود داخل الجهاز الإداري للدولة.

في التفاصيل، أوضح رئيس الحكومة أن البيانات المصنّفة حساسة بقيت بعيدة عن متناول المخترق، غير أن هذا الاستثناء بدا محدود الأثر أمام حقيقة أن 12 مليون مواطن أصبحوا عرضة لاستغلال هوياتهم في جرائم لاحقة. وبموازاة ذلك، صدرت تعليمات للنيابة العامة بطلب وضع المراهق تحت المراقبة القضائية تمهيداً لمحاكمته، علماً أنه يواجه عقوبة قد تصل إلى سبع سنوات سجناً وغرامة قدرها 300 ألف يورو، في ملف شديد الحساسية بالنظر إلى صغر سنه.

وأمام هذا النزيف المتصاعد، أعلن لوكورنو عن خطة تدخل فورية تتضمن ضخ 200 مليون يورو من اعتماد «فرنسا 2030» ابتداءً من الأيام المقبلة، مع توجيه عائدات غرامات اللجنة الوطنية للمعلوماتية والحريات نحو تمويل الدرع السيبراني للدولة. كما كشف عن مشروع مرسوم لاستحداث هيئة رقمية وطنية توضع تحت السلطة المباشرة لرئيس الحكومة، إلى جانب التحضير لمناورة أزمة وطنية كبرى ستحاكي أسوأ سيناريوهات الاختراق الممكنة.

يبقى أن مصير المراهق الخاضع حالياً للمراقبة القضائية لا يمثل سوى وجه واحد من هذه القضية، بينما الوجه الآخر يتجسّد في ملايين المواطنين الذين ما زالوا يتساءلون إن كانت أسماؤهم وأرقام بطاقاتهم ضمن الملفات المتداولة في دهاليز المنتديات المظلمة. وبين غرابة أن يكون السطو الأضخم من تدبير قاصر، وفداحة تكرار سيناريو «القرن كل شهر»، تتبدى معركة استعادة الثقة الرقمية كاختبار حاسم يفرض على الدولة مواجهة ثغراتها المؤجلة بقدر أكبر من الصرامة والسرعة.

المقال التالي