آخر الأخبار

من خطاب الرياض إلى اليوم.. كيف سبقت بصيرة الملك محمد السادس عقداً من الزلزال العربي؟

ما يعصف اليوم بالمحيط الشمال إفريقي والشرق الأوسط من زلازل سياسية وأمنية، لم يباغت من أنصت قبل عشر سنوات إلى خطاب استثنائي في العاصمة السعودية. فقد تجرأ ذلك الخطاب على تسمية الأشياء بأسمائها، في زمن كانت فيه المجاملات الدبلوماسية تغلف العبارات، محولاً الرؤية الملكية إلى خارطة طريق للانهيارات التي كانت تتربص بالمنطقة في صمت. وبعد نحو عقد من الزمن، تحولت تلك الكلمات إلى شهادة حية على أن التاريخ لا يصنع مفاجآته اعتباطاً، بل يأتي منسجماً مع تحذيرات ظُنَّ أنها مبالغ فيها عند إطلاقها.

في قمة خليجية استثنائية، حضرها إلى جانب قادة المجلس الرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما، وقف الملك محمد السادس ضيفاً مميزاً ليلقي خطاباً بدا، للوهلة الأولى، خارج سياق البروتوكولات المعتادة. كان ذلك يوم الخميس، حين قال بوضوح لافت: «إن المنطقة العربية تعيش على وقع محاولات تغيير الأنظمة وتقسيم الدول، مع ما يواكب ذلك من تشريد وتهجير لأبناء الوطن العربي». ثم أردف محذراً من «تواجد تحالفات جديدة قد تعيد ترتيب الأوراق بالمنطقة، وهي في الحقيقة محاولات لإشعال الفتنة وخلق فوضى جديدة لن تستثني أي بلد، وستكون لها تداعيات خطيرة على المنطقة، بل وعلى الوضع العالمي».

غير أن الفقرة التي هزت القاعة تجاوزت التشخيص العام، حين وصف الخطاب الوضع بأنه «خطير، خاصة في ظل الخلط الفاضح في المواقف، وازدواجية الخطاب بين التعبير عن الصداقة والتحالف، ومحاولات الطعن من الخلف». ثم تساءل بنبرة مباشرة: «فماذا يريدون منا؟ إننا أمام مؤامرات تستهدف المس بأمننا الجماعي، فالأمر واضح ولا يحتاج إلى تحليل. إنهم يريدون المس بما تبقى من بلداننا، التي استطاعت الحفاظ على أمنها واستقرارها، وعلى استمرار أنظمتها السياسية». ولم يترك الأمر معلقاً، بل حدد أن الأمر يتعلق بـ«دول الخليج والمغرب والأردن، التي تشكل واحة أمن وسلام لمواطنيها».

هذا الانتقال من التشخيص إلى التأطير الاستراتيجي منح الخطاب عمقه الاستثنائي، إذ لم يتوقف عند حدود الوصف، بل أرسى قاعدة دقيقة مفادها أن هذه الدول، رغم تباين مواقعها، «تواجه نفس الأخطار ونفس التهديدات، على اختلاف مصادرها ومظاهرها». كان ذلك إعلاناً مبكراً عن عقيدة أمن جماعي تفرضها الجغرافيا السياسية المتقلبة، في وقت كان فيه كثيرون يعتقدون أن الهوة بين الشمال الإفريقي والمشرق العربي لا يردمها خطر مشترك، لتتحول كلمات الرياض إلى لحظة مفصلية في قراءة ما يُحاك للمنطقة خلف ستائر العلاقات المعلنة.

ولم تُكذّب الوقائع اللاحقة مضامين ذلك التحذير، إذ شهدت المنطقة العربية منذ تلك اللحظة انتكاسات متتالية. تفككت دول مثل سوريا واليمن والسودان بتأثيرات خارجية معقدة، وعرف الخليج أزمة داخلية غير مسبوقة مع عزل قطر، قبل أن تتصاعد خلافات أخرى داخل المنظومة الإقليمية. ومع تداخل المصالح الدولية والإقليمية، تكبدت المنطقة كلفة باهظة على مستوى الأمن والاستقرار والصورة الجيوسياسية، في سياق أعاد إلى الواجهة دقة القراءة التي حملها ذلك الخطاب المبكر.

بعد مرور عقد كامل، لم يعد ذلك الخطاب مجرد محطة عابرة في سجل الدبلوماسية، بل تحول إلى وثيقة استشرافية لافتة تستقر في الذاكرة السياسية المغربية. نصٌّ يبرز قيمته في قدرته على استباق التحولات، وتشريح تناقضات التحالفات، ورسم ملامح مشهد إقليمي أعاد تشكيل نفسه تحت ضغط الأزمات، حيث تلاقت الوقائع مع التحذيرات في مسار واحد، يؤكد أن القراءة الدقيقة للتاريخ تبدأ أحياناً من خطاب.

المقال التالي