تحليل: لماذا يظل المستهلك المغربي أسير التضخم رغم وفرة المحاصيل؟

تتعالى في الأروقة المالية والدبلوماسية الدولية نبرة تحذيرية من موجة تضخم غذائي صاعدة، يغذيها النزاع المشتعل في الشرق الأوسط. فإلى جانب تدمير القدرات الصناعية والطاقية، خلقت هذه الحرب اختناقاً استراتيجياً خانقاً في مضيق «هرمز»، ما دفع منظمة الأغذية والزراعة إلى التحذير من «صدمة نظامية» تضرب أسس المنظومات الغذائية العالمية، في وقت ينبّه فيه برنامج الأغذية العالمي إلى «كارثة» تهدد ملايين البشر. وسط هذا القلق، يقف المغرب على أعتاب واحد من أفضل مواسمه الفلاحية منذ سنوات، مع توقع محصول في حدود 90 مليون قنطار، غير أن السؤال الجوهري يظل معلقاً: هل تكفي وفرة الإنتاج لتحصين الأسواق من عدوى الغلاء القادمة من الخارج؟
الاثنين.. 19 سفينة حبوب عالقة وملايين الدراهم تتبخر يومياً
إذا كانت الجغرافيا السياسية تضغط من بعيد، فإن الاضطراب الفعلي الذي يقلق المهنيين مغربيّ صرف ولوجستيّ بامتياز. فمنذ شهر نونبر، وبسبب توالي نوبات الطقس السيئ، يعاني ميناء الدار البيضاء، الذي يعالج ما بين 55% و70% من واردات الحبوب سنوياً، من اختناق حاد ومستمر. ففي صباح أحد أيام الجمعة، ظلت 19 ناقلة حبوب راسية في عرض البحر بانتظار دورها، في مشهد يحول كل شحنة إلى مصدر استنزاف مالي، حيث تتراكم غرامات التأخير بشكل متسارع على طول سلسلة التموين.
غرامات تأخير تصل إلى 20.000 دولار يومياً ترفع فاتورة الواردات 10%
تتراوح كلفة بقاء السفينة في الانتظار بين 18.000 و20.000 دولار يومياً. وبالنسبة لسفينة تحمل بضاعة بقيمة 6 ملايين يورو، يمكن أن يصل الغرم إلى نحو 6 ملايين درهم، أي زيادة تقارب 10% من قيمة الشحنة. وكما يلخص يوسف العلوي، رئيس الفدرالية البيمهنية لقطاع الدواجن، فإن «تضخم غرامات التأخير يثقل كاهلنا أكثر من صعود الأسعار العالمية»، ما يجعل من ازدحام الميناء محركاً مالياً صامتاً يمرر كلفته مباشرة إلى المستهلك النهائي.
احتياطي الأمان يتلاشى من شهرين إلى الصفر.. سوق الغذاء في مهب الريح
لا تتوقف التداعيات عند الكلفة المالية، بل تمتد إلى تآكل المخزونات الاستراتيجية. فبعدما كانت القطاعات تتوفر على احتياطي أمان يغطي شهراً أو شهرين، تراجع هذا المخزون بفعل بطء عمليات التفريغ، ليصبح الواقع أقرب إلى «حالة من انعدام اليقين المطلق يوماً بيوم»، وفق تعبير العلوي، حيث تنتقل أي صدمة في العرض مباشرة إلى الأسعار دون المرور عبر آليات التخفيف التقليدية.
دعم القمح اللين عند 2.700 درهم للطن يتحصن.. والذرة والصوجا خارج الحماية
في مواجهة هذا الوضع، تواصل الدولة دعمها لسلسلة القمح اللين، إذ يمتص صندوق المقاصة الفارق بين السعر العالمي وسعر الخروج من الميناء المحدد في 2.700 درهم للطن، ما يحافظ على ثمن الخبز في حدود 1,2 درهم بعيداً عن تقلبات السوق الدولية. غير أن هذا الدعم لا يشمل القمح الصلب، كما يغيب عن مدخلات أساسية مثل الذرة وكسب الصوجا، وهما عماد تغذية الماشية والدواجن، ما يدفع المهنيين إلى المطالبة بتوسيع نطاق المخزون الاستراتيجي ليشمل هذه المواد الحيوية.
أسعار اللحوم ترتفع بـ 2,4% والخضر بـ 9,7% خلال شهر واحد.. عودة التضخم المتشعب
تعكس مؤشرات المندوبية السامية للتخطيط عودة ملموسة للتضخم الغذائي خلال شهر مارس، بعد فترة من التراجع، إذ ارتفعت أسعار اللحوم بـ 2,4%، والخضر بـ 9,7%، والفواكه بـ 2,6%. ويكشف هذا المسار عن تضخم مركب تقوده بالأساس كلفة النقل، التي بلغت نحو 10% خلال الفترة نفسها، ما يعكس ترابطاً وثيقاً بين أسعار الطاقة وسلة الغذاء.
برميل النفط يتجاوز 100 دولار ويضغط على الكلفة من الأرجنتين إلى سوس
عندما يتجاوز سعر برميل «برنت» عتبة 100 دولار، ويبلغ مستويات تناهز 126 دولاراً، يتسع نطاق التأثير ليشمل سلاسل الإنتاج العالمية والمحلية معاً. فارتفاع كلفة الإنتاج الزراعي في بلدان التصدير يرفع الأسعار العالمية، بينما يثقل في الوقت نفسه كاهل الفلاح المغربي، الذي يستهلك ما بين 25 و30 لتراً من الوقود لكل هكتار. وتمتد هذه الزيادة إلى الأغطية البلاستيكية، والبذور المستوردة، ومواد التغليف، وكلفة النقل نحو أسواق الجملة، ما يجعل حتى المنتجات المحلية عرضة لعدوى الغلاء.
قفزة اليوريا إلى 700 دولار للطن تهدد المحاصيل القادمة بعد 9 أشهر
يمثل سوق الأسمدة الحلقة الأكثر حساسية، بحكم أثره المؤجل زمنياً. فحين يقلص الفلاح جرعات التسميد، لا يظهر الأثر فوراً، بل يتجسد بعد أشهر عند الحصاد. ويحدد الغاز الطبيعي ما بين 70% و90% من كلفة إنتاج الأسمدة الآزوتية، ومع تراجع إنتاجه في بعض المناطق وارتفاع أسعاره بنسب كبيرة، قفز سعر اليوريا من نحو 400 إلى 490 دولاراً للطن إلى ما يقارب 700 دولار، وفق تسليم الموانئ. كما تراجعت القدرات الإنتاجية للمكتب الشريف للفوسفاط بنحو 30%، ما ينذر بضغط إضافي على المحاصيل المقبلة.
98% من بذور الزيوت مستوردة.. السلاسل الغذائية على فوهة بركان
يكشف قطاع الزيوت الغذائية عن درجة عالية من التبعية، إذ تصل نسبة الاستيراد إلى نحو 98%. وحتى الإنتاج المحلي المرتقب، في حدود 30.000 طن، يعتمد بدوره على بذور هجينة مستوردة ارتفعت كلفتها بفعل الغلاء الطاقي. وينسحب هذا الوضع على مواد أخرى، مثل السكر الخام، ما يجعل سلاسل غذائية كاملة رهينة بالتقلبات الخارجية.
80% من كلفة الدجاج رهينة بأسعار الذرة والصوجا العالمية
تظل قطاعات البروتين الحيواني الأكثر تعرضاً للتقلبات، إذ ترتبط نحو 80% من كلفة إنتاج الدواجن بأسعار الذرة وكسب الصوجا في السوق الدولية. ومع ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، ترتفع تلقائياً كلفة الأعلاف، مدفوعة أيضاً بزيادة أسعار المكونات المستوردة، مثل الفيتامينات، ما يحول كل توتر عالمي إلى عبء مباشر على المستهلك.
33 مليون رأس من الماشية.. لكن 38% من القطيع تلاشى منذ 2016
رغم المؤشرات الإيجابية التي تفيد بتوفر نحو 33 مليون رأس من الماشية، فإن المعطيات الهيكلية تظل مقلقة، إذ فقد القطيع الوطني حوالي 38% منذ سنة 2016. وتظل عملية إعادة تكوينه رهينة بكلفة الأعلاف، حيث يؤدي ارتفاعها إلى بيع إناث التربية قبل الإنتاج، ما يعطل دورة التجديد ويؤسس لموجات تضخم لاحقة.
حصاد 90 مليون قنطار لا يحجب نقاط الضعف.. من الميناء إلى الأسمدة
تعكس وفرة الإنتاج الفلاحي هذا الموسم دينامية إيجابية في العالم القروي، لكنها لا تلغي تعقيد منظومة الأمن الغذائي، التي لم تعد مرتبطة فقط بالأمطار وجودة التربة، بل أصبحت رهينة بعوامل لوجستية وطاقية ومالية متشابكة. من اختناقات الموانئ إلى ضعف المخزون الاستراتيجي، ومن التبعية للمدخلات المستوردة إلى تقلبات أسعار الطاقة، يتضح أن التضخم الغذائي في المغرب لم يعد أزمة ندرة، بل تحول إلى أزمة كلفة وهيكلة، ما يفرض إعادة توجيه السياسات نحو تعزيز السيادة الغذائية وتقوية أدوات الضبط والشفافية داخل سلاسل التوزيع.

تعليقات