أصابع الاتهام تتجه نحو الجزائر بعد الهجمات الإرهابية على مالي

تشهد الساحة المالية منذ أيام تصعيداً أمنياً لافتاً أعاد إلى الواجهة هشاشة الوضع في منطقة الساحل، بعد هجوم منسق استهدف مواقع حيوية، من بينها العاصمة باماكو، وأسفر – وفق المعطيات المتداولة – عن سقوط عدد من الضحايا في صفوف المسؤولين العسكريين، من ضمنهم وزير الدفاع ساديو كامارا، إلى جانب إصابة شخصيات أمنية وسياسية. هذا التطور الخطير ترافق مع مؤشرات ميدانية غير مسبوقة، أبرزها استخدام أسلحة نوعية وثقيلة، ما أثار تساؤلات بشأن مصادر التسليح والدعم الذي تتلقاه الجماعات المسلحة الناشطة في شمال البلاد.
الهجوم، الذي وُصف بكونه واسع النطاق ومنسقاً، أعاد تسليط الضوء على تعقيد المشهد الأمني في مالي، حيث تتقاطع مصالح جماعات مسلحة ذات طابع انفصالي مع تنظيمات متطرفة مرتبطة بشبكات إرهابية عابرة للحدود. هذا التداخل يعكس، بحسب عدد من المتابعين، تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع، لم يعد يقتصر على تمرد داخلي، بل أصبح جزءاً من معادلة إقليمية أكثر تشابكاً، تتداخل فيها حسابات النفوذ والتوازنات الجيوسياسية.
في هذا السياق، تتجه الأنظار إلى طبيعة العلاقات المتوترة بين باماكو والجزائر، والتي دخلت مرحلة من الشد والجذب منذ وصول العقيد عاصيمي غويتا إلى السلطة. فقد تبنت القيادة المالية الجديدة خطاباً سيادياً واضحاً، سعت من خلاله إلى تقليص النفوذ الخارجي، خصوصاً في ما يتعلق باتفاقات السلام الخاصة بشمال البلاد، وهو ما أدى إلى تصاعد الخلاف مع الجزائر التي كانت تقود جهود الوساطة لسنوات.
وتتهم السلطات المالية، بشكل متكرر، أطرافاً إقليمية بالتدخل في شؤونها الداخلية، سواء عبر دعم مباشر أو غير مباشر لبعض الجماعات المسلحة، أو من خلال توفير غطاء سياسي لتحركاتها. وفي هذا الإطار، برز اسم الجزائر في قلب الجدل، خاصة بعد لقاءات رسمية جمعت الرئيس عبد المجيد تبون بقيادات من الحركات الأزوادية، وهي خطوة فسرتها باماكو على أنها إشارة سياسية تعزز حضور هذه الكيانات خارج الإطار الرسمي للدولة.
وقد انتقل هذا التوتر من الميدان إلى المنابر الدولية، حيث شهدت أروقة الأمم المتحدة تبادلاً حاداً للاتهامات بين الجانبين، في مشهد يعكس عمق الأزمة الدبلوماسية. وبينما تتهم مالي جارتها الشمالية بالتساهل مع تحركات جماعات مسلحة عبر الحدود، تنفي الجزائر هذه الاتهامات وتؤكد تمسكها بدورها كوسيط إقليمي يسعى إلى تحقيق الاستقرار.
بالتوازي مع ذلك، يبرز عامل آخر يزيد من تعقيد المشهد، يتمثل في التحولات الجيوسياسية المرتبطة بملف الصحراء، حيث تسعى باماكو إلى تنويع شراكاتها الإقليمية والانفتاح على مبادرات اقتصادية جديدة، من بينها مشاريع الربط بالمحيط الأطلسي. هذه الدينامية تفسرها بعض القراءات على أنها محاولة لفك الارتباط مع مراكز نفوذ تقليدية، في مقابل بناء تحالفات جديدة قائمة على التعاون الاقتصادي والأمني.
ولا يمكن فصل ما يجري في مالي عن السياق الأوسع لمنطقة الساحل وشمال إفريقيا، حيث تتقاطع الأزمات في أكثر من بلد، من ليبيا إلى تونس، وسط تنافس إقليمي على النفوذ وتباين في مقاربات إدارة الأزمات. هذا الواقع يجعل من الاستقرار هدفاً معقداً يتطلب توازناً دقيقاً بين المقاربات الأمنية والتنموية، في ظل بيئة إقليمية تتسم بالهشاشة والتقلب.
في المحصلة، يعكس التصعيد الأخير في مالي مرحلة جديدة من الصراع، تتجاوز حدود المواجهة الداخلية إلى رهانات إقليمية أوسع، حيث تختلط الحسابات الأمنية بالاعتبارات السياسية. وبين روايات متباينة واتهامات متبادلة، يبقى التحدي الأكبر أمام باماكو هو استعادة السيطرة الكاملة على أراضيها، وبناء توازنات خارجية تضمن لها الاستقرار دون الارتهان لصراعات المحاور، في منطقة لا تزال تبحث عن معادلة أمن دائم.

تعليقات