سنة استثنائية في تدبير الشأن السجني بالمغرب بين الإصلاح وتعزيز حقوق النزلاء

يقدم التقرير السنوي للمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج برسم سنة 2025 صورة شاملة عن حصيلة عمل وُصفت بالاستثنائية، في سياق اتسم بتعدد التحديات واستمرار تنزيل أوراش إصلاحية كبرى، تنسجم مع التوجيهات الملكية السامية والمرجعيات الدستورية والحقوقية المؤطرة للمجال السجني وإعادة الإدماج بالمغرب.
ويبرز التقرير أن سنة 2025 شكلت محطة متقدمة في مسار تحديث المنظومة السجنية، من خلال إعطاء أولوية خاصة لتنزيل العقوبات البديلة، حيث انخرطت المندوبية، بتنسيق مع مختلف الفاعلين الحكوميين والمؤسساتيين، في إرساء الأسس التنظيمية والتقنية والبشرية الكفيلة بضمان التطبيق السليم لهذا الورش، بما يعزز احترام الحقوق ويروم تقليص الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية.
وفي سياق مواصلة تنفيذ المخطط الاستراتيجي، عملت المندوبية على ترسيخ مقاربة تجعل من كرامة الإنسان محور تدبير الشأن السجني، ومن التأهيل وإعادة الإدماج رافعة لتعزيز الأمن المجتمعي. وقد انعكس ذلك في جهود تطوير البنيات التحتية للسجون وتوسيع طاقتها الاستيعابية، بما يساهم في تحسين ظروف الإيواء والحد من الاكتظاظ، إلى جانب الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للنزلاء في مجالات التغذية والنظافة والصيانة والتأطير.
وعلى المستوى الصحي، سجل التقرير مواصلة تطوير منظومة الرعاية الصحية داخل المؤسسات السجنية عبر تعزيز الوحدات الطبية وتجهيزها وتوفير الأدوية، إضافة إلى تطوير برامج الوقاية والعلاج، خاصة في ما يتعلق بالأمراض المزمنة والمعدية والصحة النفسية، مع تعزيز خدمات التطبيب عن بعد، بما يضمن استفادة أوسع للنزلاء في ظل محدودية الموارد البشرية الطبية.
أما في مجال التأهيل وإعادة الإدماج، فقد تم تعزيز برامج التعليم ومحاربة الأمية والتكوين المهني، مع تنويع العروض التربوية وتطوير آليات التعليم عن بعد، وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل، فضلا عن إدماج الثقافة والفن كوسائل دعم للاندماج الاجتماعي والحد من العود. كما تم اعتماد مقاربات تستهدف مختلف الفئات السجنية بما يضمن إعادة بناء الروابط مع المجتمع.
وفي ما يتعلق بالأمن داخل المؤسسات السجنية، عملت المندوبية على تحديث التجهيزات الأمنية وتطوير أنظمة المراقبة، ورفع جاهزية الموارد البشرية، واعتماد مقاربات استباقية في تدبير المخاطر، بما يعزز سلامة النزلاء والموظفين على حد سواء.
كما أولت المندوبية أهمية خاصة للموارد البشرية، من خلال تحسين ظروف العمل وتثمين الكفاءات وتطوير منظومة التأطير، مع ترسيخ قيم النزاهة والانضباط، مدعومة بإصدار النظام الأساسي الجديد لموظفي القطاع، الذي جاء لتعزيز الوضعية الإدارية والاجتماعية وتحفيز الأداء المهني.
وعلى مستوى الحكامة والانفتاح، واصلت المندوبية تعزيز الشفافية والتواصل المؤسساتي وتوسيع الخدمات الرقمية، إلى جانب تقوية الشراكات الوطنية والدولية وتبادل الخبرات، بما يعزز إشعاع التجربة المغربية في مجال تدبير المؤسسات السجنية وإعادة الإدماج.
وشهدت سنة 2025 أيضا تنفيذ مجموعة من الأنشطة ذات البعد التوعوي والثقافي، من بينها القافلة الوطنية للصحراء المغربية التي شملت عددا من المؤسسات السجنية، ونُظمت في سياق تخليد الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، إضافة إلى أنشطة فنية وتربوية ومعارض إنتاجات حرفية للنزلاء، وبرامج موجهة للنساء السجينات في إطار مقاربة النوع ومناهضة العنف.
كما تم توقيع عدة اتفاقيات شراكة مع مؤسسات حكومية وهيئات وطنية ودولية، تهم توسيع برامج التكوين المهني داخل السجون، وتنزيل مقتضيات العقوبات البديلة، وتطوير تكوينات مرتبطة بالصناعات التقليدية ومهن البحر، بهدف تسهيل إدماج النزلاء بعد الإفراج عنهم.
وأشار التقرير إلى أن المكتسبات المحققة، رغم أهميتها، لا تلغي حجم التحديات المرتبطة بالموارد والإمكانات، مؤكدا استمرار المندوبية في تنفيذ استراتيجيتها الرامية إلى بناء منظومة سجنية إنسانية وآمنة وفعالة، تقوم على التوازن بين متطلبات الأمن وضمان الحقوق، وتخدم أهداف العدالة وإعادة الإدماج.
ويخلص مضمون التقرير إلى أن سنة 2025 شكلت مرحلة تعزيز للإصلاح السجني بالمغرب، عبر ترسيخ العقوبات البديلة، وتطوير الخدمات الصحية والاجتماعية، وتوسيع برامج التأهيل، في أفق تقوية دور المؤسسة السجنية كفاعل أساسي في تحقيق الأمن المجتمعي وإعادة إدماج الأفراد داخل المجتمع بشكل مستدام.

تعليقات