تقرير يصنف المغرب الأقل تأثرا بحرب الشرق الأوسط… فمن يفسر لهيب الأسعار والمحروقات؟

رغم السياق الإقليمي المتوتر وامتداد تداعيات الصراع في الشرق الأوسط إلى عدد من الاقتصادات العالمية، يواصل المغرب الظهور ضمن الدول الإفريقية الأقل عرضة لهذه الصدمات، وفق تقرير حديث صادر عن S&P Global Ratings، الذي وضع المملكة في صدارة البلدان الأكثر قدرة على امتصاص الاضطرابات الخارجية، مستنداً إلى مؤشرات تتعلق بالتوازنات الماكرو-اقتصادية، ومستوى الاحتياطيات، وضعف الارتباط التجاري المباشر مع منطقة النزاع.
التقرير اعتبر أن محدودية المبادلات التجارية للمغرب مع الشرق الأوسط، إلى جانب احتياطياته المريحة من العملة الصعبة، واستقرار مؤشرات التضخم والدين، عوامل أساسية تفسر هذا التصنيف المتقدم، بل وتُبقي المملكة ضمن فئة الدرجة الاستثمارية، في وقت تعاني فيه عدة دول إفريقية من هشاشة مالية متفاقمة وضغوط تضخمية متزايدة.
غير أن هذه الصورة “المطمئنة” التي يرسمها التقرير تثير تساؤلات واسعة في الداخل، حيث تبدو المفارقة صارخة بين لغة الأرقام والمؤشرات من جهة، والواقع المعيشي للمواطن المغربي من جهة أخرى. فموجة الغلاء التي طالت مختلف المواد الأساسية، من الغذاء إلى النقل والخدمات، لم تعد خافية على أحد، بل أضحت محور نقاش يومي لدى الأسر التي تواجه تراجعاً واضحاً في قدرتها الشرائية.
وفي قلب هذا الجدل، يبرز ملف المحروقات كأحد أكثر المؤشرات إثارة للانتباه، إذ سجلت أسعار الوقود في المغرب خلال الأشهر الأخيرة مستويات مرتفعة، متجاوزة في بعض الفترات نظيراتها في عدد من دول شمال إفريقيا، رغم اختلاف البنيات الاقتصادية وأنظمة الدعم. هذا الارتفاع ينعكس بشكل مباشر على كلفة النقل والإنتاج، وبالتالي على أسعار السلع والخدمات، ما يعمّق الإحساس العام بضغط المعيشة.
هذه المعطيات تطرح بإلحاح سؤالاً مشروعاً حول مدى قدرة المؤشرات الماكرو-اقتصادية على عكس الواقع الاجتماعي بشكل دقيق، وحول ما إذا كان “الاستقرار” الذي تتحدث عنه التقارير الدولية يترجم فعلاً إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين، أم أنه يظل محصوراً في التوازنات المالية الكبرى.
كما يعيد هذا الوضع إلى الواجهة النقاش حول السياسات العمومية المعتمدة في تدبير ملفات حساسة، وعلى رأسها الطاقة والأسعار، حيث يرى متتبعون أن جزءاً من الأزمة مرتبط بغياب تدخل أكثر نجاعة لضبط السوق، أو بإخفاق في تفعيل آليات المنافسة والمراقبة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن نجاعة التدبير الحكومي في مواجهة التقلبات الدولية.

تعليقات